يحل شهر رمضان على قطاع غزة هذا العام والقلوب مثقلة بفراغ روحي عميق، نتيجة لغياب مئات الأئمة والخطباء والقراء الذين كانوا جزءا لا يتجزأ من ذاكرة هذا الشهر الفضيل على مر العقود. وبينما ترتفع أصوات التكبير من الخيام التي نصبت فوق أنقاض المساجد المدمرة، يفتقد الأهالي وجوها مألوفة اعتادوا رؤيتها في المحاريب، وأصواتا كانت تهديهم في ليالي التراويح والقيام.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة في غزة الى فداحة الخسارة باستشهاد 312 إماما وخطيبا وداعيا ومعلم قرآن، بالاضافة الى تضرر بالغ طال أكثر من ألف مسجد من أصل حوالي 1275 مسجدا، حيث دمرت بعضها بشكل كامل، وأصبح البعض الآخر غير صالح للصلاة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الفاجعة التي حلت بالمجتمع الغزي، حيث فقد قادة دينيين ومربين كان لهم دور بارز في توجيه وإرشاد الناس، وتعليمهم تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

رمضان في غزة: ذكريات مؤلمة وفقد لا ينسى

واكدت مصادر محلية ان رمضان هذا العام ياتي بنكهة مختلفة، ممزوجة بالحزن والاسى على فقد هؤلاء الائمة، الذين تركوا بصمات واضحة في مجتمعاتهم، وأثروا في حياة الكثيرين. وتضيف المصادر ان الاهالي يستذكرونهم في كل لحظة، ويتذكرون خطبهم المؤثرة، وكلماتهم الطيبة، ونصائحهم القيمة.

واضافت المصادر ان غياب هؤلاء الائمة والخطباء يمثل خسارة كبيرة للمجتمع الغزي، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع، حيث تشتد الحاجة الى التوجيه والإرشاد الديني، وتعزيز قيم الصبر والثبات والإيمان.

وبينت المصادر ان الاهالي يحاولون التغلب على هذا الفقد من خلال إحياء ذكرى هؤلاء الائمة، ونشر أقوالهم وأفعالهم، والسير على خطاهم في نشر الخير والفضيلة، والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

علماء غزة: قادة فقدوا في ساحات الوغى

ويعتبر الشيخ يوسف سلامة، أحد أبرز علماء فلسطين، الذي شغل منصب وزير الأوقاف في غزة بين عامي 2005 و2006، وكان خطيبا في المسجد الأقصى لمدة تقارب العشر سنوات، كما شغل منصب نائب رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس، واستشهد في قصف استهدف منزله في مخيم المغازي في أواخر عام 2023.

وائل الزرد، إمام المسجد العمري الكبير في مدينة غزة، وأستاذ جامعي متخصص في علم الحديث، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، اشتهر بخطبه المؤثرة وحضوره الأكاديمي المتميز، وتوفي متأثرا بإصابته إثر قصف منزله في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وليد عويضة، المدير العام للتحفيظ في وزارة الأوقاف وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حاصل على الدكتوراه في الحديث الشريف، كان يشرف على مئات حلقات التحفيظ، واستشهد في قصف استهدف حي الصبرة جنوبي غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

ائمة غزة: نور يضيء دروب الصابرين

نائل مصران، جمع بين دراسة الهندسة المدنية والعلوم الشرعية، وحصل على الدكتوراه في أصول الفقه، عرف بخطبه التي ركزت على الصبر والثبات، واستشهد مع أفراد من عائلته في قصف طال خيمته في خان يونس عام 2024.

محمد سلامة، معلم قرآن ومشرف حلقات تحفيظ في شمال القطاع، ارتقى شهيدا في 5 مارس/آذار 2024، نتيجة قصف إسرائيلي استهدف منزله في مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع.

صالح الجعفراوي، حافظ للقرآن، قارئ ومنشد، وناشط إعلامي وثق آثار الحرب بعدسته وكلماته، كان صوته حاضرا في الفعاليات الدينية والإنسانية، جامعا بين الرسالة الإعلامية والنبرة الإيمانية الهادئة التي اعتادها المصلون في ليالي رمضان.

غزة تتحدى الألم: رمضان يجمع القلوب رغم الفقد

ورغم اختلاف أدوارهم ومواقعهم، جمع هؤلاء الأئمة والخطباء رابط مشترك لا يغيب عن ذاكرة الغزيين، وهو حضورهم الدائم في تفاصيل حياتهم اليومية، من عقود الزواج إلى صلاة الجنازة، ومن دروس الفجر إلى مجالس الصلح، حيث كانت أصواتهم جزءا لا يتجزأ من حياة الناس.

واليوم، تقام صلاة التراويح في ساحات مكشوفة فوق ركام الحرب، أو داخل هياكل خشبية مغطاة بالنايلون، ومع كل تكبيرة يستعيد المصلون أصواتا ألفوها، فقد غابت الأجساد، لكن الأثر باق وحاضر، يتردد في الذاكرة والقلوب.

رمضان في غزة هذا العام ليس ككل عام، ولكنه رغم الفقد والألم، يظل موسما يتكئ فيه الناس على الصبر، ويجدون في العبادة سلوى، وفي الدعاء حبل لا ينقطع، يربطهم بالحياة وسط الخراب والدمار.