مع حلول شهر رمضان المبارك، يزداد الاهتمام بالفوائد الصحية التي قد يجنيها الصائم، لكن من الضروري التنبيه إلى أمر بالغ الأهمية، وهو أن الطبيب المختص هو الشخص الوحيد المؤهل لتقديم المشورة الطبية وتحديد ما إذا كان الصيام مناسبا لكل فرد على حدة.
لا يجوز لأي شخص أن يتخذ قرار الصيام أو الإفطار بناء على إحساسه الشخصي فقط، أو استنادا إلى آراء عامة غير متخصصة، أو معلومات يتم تداولها عبر شبكة الإنترنت، خاصة إذا كان يعاني من أمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الغدة الدرقية.
فكل حالة مرضية لها خصوصيتها، ويتعين مراعاة نوع الدواء وجرعاته، بالإضافة إلى استقرار المؤشرات الحيوية وتقييم الحالة الصحية العامة للجسم، وذلك لضمان أن يكون الصيام تجربة آمنة لا تشكل خطرا على الصحة.
الصيام وتأثيره الأيضي
وغالبا ما تغيب هذه الحقيقة البسيطة في خضم الضجة الإعلامية التي تصور الصيام أحيانا وكأنه حل سحري لجميع الأمراض، وهو اعتقاد خاطئ يجب تصحيحه منذ البداية.
والصيام في شهر رمضان ليس مجرد امتناع عن تناول الطعام والشراب لساعات محددة، بل هو تجربة أيضية شاملة تؤدي إلى تغييرات فسيولوجية ملحوظة داخل الجسم، فبعد استنفاد مخزون الغلوكوز، الذي يمثل المصدر الرئيسي والسريع للطاقة، يبدأ الجسم في الاعتماد بشكل أكبر على الدهون كمصدر بديل للطاقة، وينخفض مستوى الإنسولين، مما يسمح للخلايا باستعادة حساسيتها تجاهه.
وهذا التحول الأيضي يساهم في تخفيف العبء على الجسم، ويعزز استجابة الخلايا للأنسولين، وهي نقطة حاسمة في ظل تزايد معدلات الإصابة بالسكري من النوع الثاني ومقاومة الإنسولين.
شروط تحقيق الفائدة من الصيام
واكدت الدراسات أن هذه الفوائد لا تتحقق بشكل تلقائي، بل تعتمد على تناول وجبات إفطار وسحور متوازنة، والحصول على قسط كاف من النوم، وممارسة النشاط البدني المناسب، بينما قد يؤدي الإفراط في تناول الحلويات والأطعمة المقلية، والسهر لساعات طويلة، واضطرابات النوم إلى تقليل أو إلغاء الفوائد الصحية للصيام.
وبسبب ضيق المساحة، لا يمكن استعراض جميع الأبحاث التي تناولت صيام رمضان، لكن دراسة حديثة نشرت في عام 2025، قامت بتحليل 54 دراسة شملت 2857 مشاركا من 21 دولة، وأظهرت أن الصيام يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في الوزن ومؤشر كتلة الجسم، بدءا من الأسبوعين الثاني والثالث من الشهر، مع الوصول إلى أقصى تأثير في الأسبوع الأول بعد رمضان، قبل أن تعود القيم تدريجيا إلى مستوياتها السابقة.
واضافت الدراسة إلى أنها سجلت انخفاضا في محيطي الخصر والورك ونسبة الخصر إلى الورك، مع تراجع طفيف في كمية الدهون ونسبتها، في حين بقيت الكتلة الخالية من الدهون وإجمالي ماء الجسم دون تغيير كبير.
تأثير الصيام على بنية الجسم
وبينت هذه النتائج أن للصيام تأثيرا ملموسا في بنية الجسم، ولكنه غالبا ما يكون قصير الأمد، وأن استمرار أي فائدة إيجابية يتطلب تبني نمط حياة صحي بعد انتهاء شهر رمضان.
وتبين أن نتائج هذه الدراسة تتفق مع دراسة شاملة أخرى نشرت في العام نفسه، والتي أعادت تحليل 11 دراسة منهجية تناولت تأثير صيام رمضان في مؤشرات متلازمة الأيض، وهي مجموعة من العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري.
واشارت النتائج إلى انخفاض في الوزن ومحيط الخصر، وتحسن متواضع في مستويات الدهون الضارة والكوليسترول الكلي، وارتفاع في الكوليسترول النافع، بالإضافة إلى انخفاض في ضغط الدم وسكر الدم الصائم، مما يشير إلى دور محتمل لصيام رمضان في تقليل خطر متلازمة الأيض وتحسين التحكم في سكر الدم لدى بعض الحالات.
تحفيز الالتهام الذاتي للخلايا
وعلى المستوى الخلوي، كشفت الأبحاث أن الصيام يحفز عملية "الالتهام الذاتي"، وهي آلية حيوية تقوم فيها الخلية بإعادة تدوير مكوناتها التالفة للحفاظ على كفاءتها وتوازنها الداخلي، مما يساهم في تحسين كفاءة إنتاج الطاقة داخل الخلية.
ومع أن معظم الأدلة المتوفرة حول الالتهام الذاتي جاءت من دراسات مخبرية وتجارب على الحيوانات، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أن تحفيزه بشكل واضح قد يتطلب فترات صيام أطول تمتد في بعض البروتوكولات إلى نحو 42-48 ساعة، وهذه المدد لا تنطبق على نمط الصيام اليومي المعتاد في رمضان، بل على أنظمة صيام خاصة تجرى غالبا تحت إشراف طبي.
لذلك يجب التعامل مع فكرة الالتهام الذاتي في رمضان باعتبارها آلية محتملة ضمن سياق التغيرات الأيضية العامة، لا كأثر مؤكد مماثل لما يرى في تجارب الصيام المطول.
الصيام تجربة نفسية وروحية
واكد خبراء أن صيام رمضان يتجاوز حدود المؤشرات البيولوجية ليصبح تجربة نفسية وروحية فريدة، فممارسة تأجيل الإشباع وضبط الرغبات والالتزام بإيقاع يومي منظم، كلها عناصر تعزز ضبط النفس وتقوي القدرة على الصبر والتحكم في النزوات، وهو ما يميز رمضان عن أي نظام غذائي أو حمية صحية أخرى.
وفي جوهره، رمضان عبادة تخاطب الروح قبل أن تخدم الجسد، وتجربة إنسانية شاملة تمس الجسد والعقل والروح في آن واحد، حيث تتكامل الفوائد الصحية المحتملة مع الأثر النفسي والروحي لتشكل تجربة صيام متكاملة وعميقة.
وخلصت الدراسات إلى أن صيام رمضان ليس مجرد وسيلة لضبط الوزن أو تحسين المؤشرات الصحية، ولا هو علاج سحري للأمراض، فالدراسات السريرية والمراجعات المنهجية الحديثة تشير إلى أن الصيام قد يكون له تأثير إيجابي ملموس على مستويات السكر والدهون وضغط الدم، شريطة أن يمارس باعتدال ووعي، وتحت إشراف طبي عند الحاجة.
وبين صيام يمنح الجسد فرصة لاستعادة توازنه، وصيام يرهقه الإفراط والتسيب الغذائي، يكمن الفرق في وعي الصائم وخياراته اليومية، وفي إدراك أن الغاية الأسمى من الصيام تبقى عبادة الله وتجديد الحياة الروحية، على أن تأتي الآثار الصحية، إن تحققت، كثمرة إضافية وليست الهدف الأساسي من هذه العبادة.
