يستقبل اهالي غزة شهر رمضان في ظل ظروف اقتصادية قاسية لم يشهدها القطاع من قبل، اذ وصلت معدلات الفقر إلى ما يقارب 90% وارتفعت البطالة لتلامس 80%، وهو ما يدفع معظم العائلات إلى صراع يومي لتوفير ابسط الاحتياجات.

وتظهر الزيادات الكبيرة في اسعار السلع الأساسية مدى الهشاشة الاقتصادية التي يعاني منها قطاع غزة، حيث اصبحت موائد الإفطار والسحور عبئا ثقيلا على كاهل العائلات التي أنهكتها الحرب وتدهورت مصادر دخلها.

وكشفت مقارنة حديثة اجرتها الجزيرة نت حول تكاليف موائد رمضان قبل الحرب وبعدها، بالاعتماد على بيانات رسمية، عن ارتفاعات كبيرة في الأسعار، مما يجعل الحصول على وجبة متكاملة حلما بعيد المنال بالنسبة للكثير من الأسر.

اسعار رمضان في غزة

وخلال فترات الحصار الشديد وإغلاق المعابر التجارية ومنع دخول المساعدات والبضائع، ارتفعت أسعار معظم المواد الغذائية بنسب تجاوزت 700% في بعض الفترات.

واضافت التقارير انه مع دخول اتفاق وقف اطلاق النار حيز التنفيذ، تراجعت الأسعار بشكل طفيف، ولكنها ظلت اعلى بنسبة تتجاوز 100% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

واعتمدت الجزيرة نت في رصد هذه الفروقات على الأسعار المعتمدة لدى وزارة الاقتصاد في غزة.

وقال الدكتور محمد بربخ، مدير عام السياسات والتخطيط في الوزارة، ان البيانات الرسمية لديهم تشمل تطورات الأسعار منذ ما قبل السابع من اكتوبر وحتى الأيام الأولى من شهر رمضان الحالي.

واوضح بربخ ان سعر كيلو الدجاج ارتفع من 14 شيكلا قبل الحرب إلى 25 شيكلا حاليا، بنسبة زيادة قدرها 92%، كما ارتفع سعر الأسماك المجمدة من 8 شواكل إلى 23 شيكلا للكيلو، بزيادة قدرها 130%.

وبين ان اللحوم الحمراء المجمدة سجلت ارتفاعا متوسطه 100%، حيث يبلغ سعر الكيلو حاليا 40 شيكلا مقارنة بـ23 شيكلا قبل الحرب، اما صدر الدجاج، وهو من الأصناف الأكثر استهلاكا، فقد ارتفع بنسبة 130% ليصل إلى 35 شيكلا للكيلو بعد أن كان يباع بـ14 شيكلا، كما ارتفع سعر طبق البيض من 13 شيكلا إلى 35 شيكلا، بزيادة بلغت 170%.

ارتفاع اسعار الخضروات والاجبان

وفيما يتعلق بالخضروات، تضاعف سعر الطماطم من 5 إلى 10 شواكل للكيلو، وارتفع سعر الخيار من 3 شواكل إلى 12 شيكلا، بينما زاد سعر البطاطا من 3 إلى 5 شواكل للكيلو.

واكدت التقارير ان اسعار الأجبان شهدت زيادات تراوحت بين 56% و110% بحسب النوع، وهو ما اثر بشكل مباشر على تكلفة وجبة السحور التي تعتمد بشكل أساسي على هذه الأصناف.

واستنادا إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة في قطاع غزة 5.6 أفراد.

تكلفة الافطار والسحور

وبناء على ذلك، قامت الجزيرة نت بتقدير تكلفة إفطار لأسرة مكونة من 6 أفراد، يشمل دجاجتين، كيلو أرز، طبق سلطة، مقبلات، مشروب غازي، بالإضافة إلى غاز الطهي والتوابل وزيت الطعام.

وبينت الاحصائيات ان تكلفة هذه المائدة تصل حاليا إلى حوالي 150 شيكلا، في حين كانت قبل الحرب 79 شيكلا، أي بزيادة قدرها 89.8%.

واشارت الاحصائيات انه بالنسبة لوجبة السحور، تحتاج أسرة مكونة من 6 أفراد تعتمد على أصناف مثل الجبن الأبيض والأصفر، الحمص، الفلافل، المرتديلا والخبز، إلى حوالي 31.5 شيكلا، مقارنة بـ18.6 شيكلا قبل الحرب، بنسبة زيادة 69.3%.

تدهور الدخل وارتفاع الاسعار

واكدت التقارير انه بجمع تكلفة وجبتي الإفطار والسحور، ترتفع التكلفة اليومية لإطعام أسرة متوسطة إلى 182 شيكلا، بعدما كانت 97 شيكلا، بزيادة 87.6%.

وتاتي هذه الزيادات في الأسعار في وقت تراجع فيه نصيب الفرد السنوي من الدخل في قطاع غزة إلى حوالي 161 دولارا في 2024، مقارنة بـ1250 دولارا في 2022، وفقا لتقرير للأمم المتحدة صدر اواخر عام 2025.

وقال الباحث في الشأن الاقتصادي احمد ابو قمر ان المؤشرات الاقتصادية في غزة شهدت تدهورا غير مسبوق خلال العامين الاخيرين، في ظل الحرب وتداعياتها.

تحديات الفقر والبطالة

واضاف ان الارتفاعات في الأسعار تجاوزت كل المستويات الطبيعية، حيث سجلت بعض السلع زيادات قياسية خلال فترات الحرب، بمتوسط عام تجاوز 700%، ما يعني أن الأسعار تضاعفت بين 5 و7 مرات مقارنة بما قبل الحرب.

وشدد ابو قمر على ان معالجة الأزمة تبدأ برفع القيود والتنسيقات المفروضة على دخول البضائع، وإنهاء حالة الاحتكار، موضحا أن عددا محدودا من التجار مخولون حاليا بالاستيراد عبر عدد قليل من الشركات الإسرائيلية، ما يكرس احتكارا يقيد المنافسة.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو رمضان في غزة اختبارا قاسيا لقدرة الأسر على الصمود، حيث تتلاقى الأسعار المرتفعة مع الدخول المتدهورة، لتتحول موائد الإفطار والسحور إلى تحد يومي في حسابات البقاء.