أكد خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي أن مؤشرات الدراسة الاكتوارية الأخيرة تُلزم مؤسسة الضمان الاجتماعي الاردنية والحكومة، بموجب المادة (18/ج) من قانون الضمان، باتخاذ إجراءات فورية لمنع تعادل النفقات مع الإيرادات التأمينية، عبر تصويب السياسات والتشريعات بما يضمن ديمومة النظام وتعزيز مركزه المالي.
وأوضح الصبيحي، خلال ندوة نظمها حزب العمال الاردني وأدارتها الأمين العام للحزب رولى الحروب، أن الوضع المالي للمؤسسة «مريح بحذر شديد»، وأن استدامته المستقبلية مرهونة بإصلاحات جوهرية على القانون والسياسات، بما يعزز الملاءة المالية ويوسّع الشمول ويحقق العدالة الاجتماعية.
اختلال متسارع في التوازن التأميني
كشف الصبيحي عن اختلال واضح في توازن النظام نتيجة النمو الكبير في أعداد المتقاعدين مقابل نمو محدود في أعداد المشتركين. وبيّن أن عدد المؤمن عليهم الفعالين بلغ نحو 1.2 مليون بنهاية 2015 مقابل 180 ألف متقاعد، أي إعالة تأمينية بحدود 6.6 مشترك لكل متقاعد، وهو مستوى آمن اكتوارياً.
وأشار إلى أن المؤشرات تغيّرت بصورة ملحوظة بحلول 2025، إذ ارتفع عدد المشتركين إلى نحو 1.66 مليون مقابل 392 ألف متقاعد، لتتراجع الإعالة التأمينية إلى 4.3 مشترك لكل متقاعد، وهو معدل غير مقبول اكتوارياً ويستدعي معالجة عاجلة، مع نمو المتقاعدين بنحو 117% مقابل 38% للمشتركين خلال العقد الأخير.
تآكل الفوائض تحت ضغط فاتورة التقاعد
حذر الصبيحي من أن الفوائض التأمينية السنوية، التي بدأت بالتناقص خلال السنوات الخمس الماضية، مرشحة للتلاشي مع نهاية 2029 تحت ضغط فاتورة تقاعد متدحرجة، مدفوعة بالإحالات المفرطة إلى التقاعد المبكر، خصوصاً في القطاع العام، إضافة إلى إنفاقات الجائحة التي تجاوزت 800 مليون دينار، بعضها غير مسترد.
وقدّم مقارنة مالية بين عامي 2015 و2025، موضحاً أن إيرادات 2015 بلغت 1.27 مليار دينار مقابل نفقات 811 مليون دينار وفائض 461 مليوناً، أي أن النفقات شكّلت 64% من الإيرادات. أما في 2025 فتُقدّر الإيرادات بنحو 2.5 مليار دينار مقابل نفقات تقارب 2.22 ملياراً، مع فائض لا يتجاوز 230 مليوناً ونسبة نفقات تبلغ 88% من الإيرادات، ما يعكس اختلالاً واضحاً.
تحديات بنيوية تضغط على الاستدامة
عدّد الصبيحي أبرز التحديات التي تواجه النظام التأميني، وفي مقدمتها فجوة الشمول، والتمويل المستدام، وارتفاع البطالة إلى نحو 22% بما يضغط على الإيرادات، والتهرب التأميني المقدر بنحو 23% من العاملين في القطاع المنظم، وتشوهات سوق العمل وضعف شمول العمالة الوافدة رغم وجود نحو 1.5 مليون عامل غير أردني لا يتجاوز المشمول منهم 17%.
وأضاف أن الإحالات المفرطة إلى التقاعد المبكر بين 2020 و2025، والتي طالت نحو 52 ألف موظف ومستخدم في القطاع العام، أسهمت في تضخم فاتورة التقاعد، إلى جانب ضعف العائد على استثمار أموال الضمان بين 5.5% و6.4% مقابل مستهدف اكتواري يتراوح بين 9% و12%، واتساع العمل غير المنظم إلى 35–40% من إجمالي المشتغلين خارج مظلة الحماية.
ولفت إلى تحديات تتصل بضعف مستويات الأجور، إذ إن نحو 20% من المؤمن عليهم يتقاضون أقل من 300 دينار، وضرورة التقدم نحو التأمين الصحي الاجتماعي ضمن سيناريو مدروس، فضلاً عن الحاجة إلى تعزيز الحوكمة ووضوح الصلاحيات داخل المؤسسة ومجالسها المختلفة.
فجوة في الكفاية الاجتماعية ورواتب المتقاعدين
أشار الصبيحي إلى تفاوت ملحوظ في الرواتب التقاعدية، حيث يتقاضى نحو 9.4% من المتقاعدين رواتب تتجاوز 1000 دينار (نحو 36 ألف متقاعد)، مقابل قرابة 9% يتقاضون أقل من 200 دينار (نحو 32 ألف متقاعد)، ما يضع المؤسسة أمام تحدي تحسين الرواتب المتدنية لتحقيق «الكفاية الاجتماعية» وليس الاكتفاء بالحد الأدنى للمعيشة.
وأكد أن أي تعديل تشريعي يجب أن يوازن بين الاستدامة والحماية، بما يحفظ حقوق الفئات الأضعف ويضمن عدالة توزيع المنافع، مع الحفاظ على قدرة النظام على الصمود للأجيال المقبلة.
حزمة إصلاحات مقترحة بلا تأخير
دعا الصبيحي إلى البدء الفوري بحزمة إجراءات، أبرزها: توسيع قاعدة الشمول لتعزيز العدالة وتدفق السيولة، ودمج العمالة غير المنظمة والعاملين لحسابهم الخاص والمنصات الرقمية، والقضاء على التهرب التأميني عبر تشديد الرقابة والربط الإلكتروني مع الجهات ذات العلاقة.
كما شدد على إصلاحات هيكلية متوازنة تشمل إعادة تنظيم التقاعد المبكر مع مراعاة المهن الخطرة، وتعزيز عدالة الرواتب التقاعدية ووضع أطر تحد من الرواتب المرتفعة بشكل غير متناسب، وربط الرواتب بالتضخم بما يفيد أصحاب الدخول المتدنية أكثر.
وطالب برفع كفاءة استثمار أموال الضمان وتعزيز استقلالية القرار الاستثماري والحوكمة والشفافية، ورفع العائد إلى 9–12% وفق المتطلبات الاكتوارية، إلى جانب تطوير الحوكمة التنظيمية باستحداث قيادة موحدة وتحديث تشكيلة المجالس بضم خبرات فنية متخصصة، ووضع خارطة طريق شاملة لمستقبل المؤسسة قائمة على المساءلة وتحقيق الأهداف.
مداخلات تؤكد الاستدامة وتحذر من المساس بالحقوق
شهدت الندوة مداخلات ركزت على ضرورة تعزيز حوكمة المؤسسة ورفع عوائد الاستثمار، وإعادة النظر بتشكيلة مجلس الإدارة، والتأكيد على ألا تمس التعديلات المرتقبة حقوق الفئات الضعيفة والمتوسطة، مع تكثيف جهود مواجهة التهرب التأميني.
كما طُرحت مقترحات لتوسيع قاعدة الفئات المستثناة من بعض التعديلات، خاصة من أكملوا عشر أو خمس عشرة سنة اشتراك، والتحذير من رفع سن تقاعد الشيخوخة قبل تهيئة سوق العمل، والدعوة إلى إعادة هيكلة صندوق التعطل عن العمل لتعزيز أمن الدخل للعمال عند فقدان الوظيفة.
واختتم الصبيحي بالتعبير عن أمله في أن تعزز التعديلات المرتقبة الثقة بالنظام التأميني، وأن تتسم بالعدالة والموضوعية والشمولية، دون خفض مستويات الحماية الاجتماعية أو الانتقاص من حقوق المؤمن عليهم.
الفئة المستثناة من التعديلات المقترحة
تشهد الساحة الاردنية حالة ترقب واسعة بعد تسريب معلومات حول تعديلات مرتقبة على قانون الضمان الاجتماعي، وسط تساؤلات مباشرة من المشتركين حول مصير حقوقهم التقاعدية، وما اذا كانت هذه التعديلات ستمس من استكمل شروط التقاعد ام ستطبق فقط على فئات محددة مستقبلا.
وبحسب ما كشفه خبير التامينات والحماية الاجتماعية الحقوقي موسى الصبيحي، فان الفئة المستثناة من التعديلات المقترحة هي المؤمن عليهم الذين استوفوا شروط استحقاق راتب تقاعد الشيخوخة او التقاعد المبكر قبل نفاذ القانون المعدل، او قبل نهاية العام 2026، وفق ما سيحدد في النص النهائي للقانون.
اوضح الصبيحي ان الداخلين ضمن هذه الفئة يحتفظون بحقهم الكامل في التقاعد مستقبلا وفق احكام القانون النافذ حاليا، حتى لو استمروا في العمل ولم يتقدموا بطلب التقاعد خلال العام الجاري، ما يعني عدم المساس بحقوقهم المكتسبة.
واكد ان هذا الطرح لا يزال مقترحا ضمن التعديلات التي اقرها مجلس ادارة مؤسسة الضمان ورفعها الى مجلس الوزراء، مشددا على ان الامر لم يحسم بعد، اذ يخضع للمسار التشريعي الكامل ابتداء من الحكومة وديوان التشريع، مرورا بمجلسي النواب والاعيان، وصولا الى المصادقة الملكية والنشر في الجريدة الرسمية.
جدل واسع حول شفافية التعديلات
اثارت التعديلات جدلا مجتمعيا واسعا، خاصة في ظل عدم نشر نسخة رسمية للنصوص المقترحة، ما دفع خبراء ومشتركين للتساؤل حول مدى شفافية الاجراءات، وحقيقة الحوار الوطني الذي ادارته الجهات الرسمية مؤخرا.
وقال الصبيحي ان غياب النصوص الرسمية وعدم اتاحة المجال لنقاش مهني علني يثيران القلق، خصوصا ان القانون يمس اكثر من مليون ونصف مشترك، مضيفا ان اقرار التعديلات ورفعها لمجلس الوزراء قبل اعلان نتائج الحوار الوطني بعث برسائل سلبية للرأي العام.
واشار الى ان توقيت الاعلان تزامن مع مؤتمر صحفي لاعلان نتائج الحوار، ما فتح باب التساؤل حول ما اذا كان الحوار شكليا، مؤكدا ان القرارات يجب ان تستند الى مخرجات الحوار لا ان تسبقه.
التقاعد المبكر في قلب المعادلة
يعد ملف التقاعد المبكر محور النقاش الاكبر في التعديلات المقترحة، اذ تشير البيانات الى ان نحو 64 بالمئة من اجمالي المتقاعدين هم متقاعدون مبكرا، فيما تستحوذ رواتبهم على قرابة 61 بالمئة من اجمالي كلفة الرواتب التقاعدية.
وحذر الصبيحي من التوسع غير المدروس في رفع سن تقاعد الشيخوخة، معتبرا ان تجاوز سن الستين للذكور والخامسة والخمسين للاناث دون حلول موازية قد يؤدي الى ارتفاع البطالة والفقر وزيادة التهرب التاميني، خاصة في سوق عمل يعاني اصلا من تحديات هيكلية.
وضرب مثالا بمشترك يبلغ 57 عاما ولديه 37 سنة اشتراك، ويفقد عمله، متسائلا عن مصيره اذا تم رفع سن الاستحقاق، مؤكدا ان من امضى 35 او 38 سنة اشتراك يعد مكسبا اكتواريا للنظام وليس عبئا عليه.
الاسس الاكتوارية ودوافع الاصلاح
من جهته، اكد الخبير التاميني ومساعد المدير العام الاسبق لمؤسسة الضمان محمد عودة ان التعديلات تستند الى نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، التي اشارت الى توقع بلوغ نقطة التعادل الاولى عام 2030 والثانية عام 2038.
وبين ان الحكومة تبنت نهجا تشاركيا عبر تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بادارة حوار وطني موسع، شاركت فيه احزاب ونقابات وخبراء ومؤسسات مجتمع مدني، نظرا لاهمية الضمان كركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
واوضح ان من الاسس المعلنة للحوار عدم رفع نسب الاشتراكات وعدم المساس بالحقوق المكتسبة، مشيرا الى ان اي تعديلات يفترض ان تطبق على المشتركين الجدد او من لم يستكملوا شروط الاستحقاق بعد.
نتائج الحوار الوطني ومحاور التغيير
اعلن المجلس الاقتصادي والاجتماعي ان التوصيات ركزت على الحد من التقاعد المبكر وجعله استثناء، ورفع مدة الاشتراك الفعلي، وتقليص الفجوة بين سن التقاعد المبكر وسن الشيخوخة وفق الكلفة الاكتوارية.
كما تضمنت التوصيات رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيا الى 63 عاما للذكور و58 للاناث، مع تقديم حوافز للاستمرار في سوق العمل، وتعزيز الامتثال وتقليل التهرب التاميني، وتطوير استراتيجية استثمار اموال الضمان لتحقيق عوائد افضل مع الحفاظ على السلامة المالية.
واكد المجلس انه لا يوجد اي توجه لرفع او خفض نسبة الاقتطاع الشهري، موضحا ان هذه المسألة لم تكن ضمن محاور النقاش، وان النسبة الحالية توصف اساسا بانها مرتفعة.
بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية
يجمع الخبراء على ان التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين استدامة صندوق الضمان وحماية حقوق المشتركين، خاصة في ظل توسع مظلة الشمول لتضم العاملين في القطاع غير المنظم والمياومين والحرفيين والسائقين والمغتربين.
وفي ظل استمرار الجدل، تبقى الفئة التي استكملت شروط التقاعد قبل نفاذ القانون او قبل نهاية 2026 بحسب النص النهائي هي الاكثر اطمئنانا، بانتظار ما ستسفر عنه المراحل التشريعية المقبلة، التي ستحسم شكل قانون الضمان الاجتماعي في مرحلته الجديدة.
