محمود الدباس
مرت عقود على المواطن الأردني البسيط.. وهو يعرف الديوان الملكي من بعيد.. كما يعرف الوزارات من خلف أبواب وزرائها.. ويعرف المسؤولين من خلال شاشات التلفاز وصفحات الأخبار.. أما أن يلتقي مسؤولاً كبيراً في بيت الاردنيين.. أو يجده بين الناس في مكان عام.. فذلك كان أشبه بالأمنيات التي لا تتحقق..
ثم جاء معالي أبا الحسن.. فحدث شيء لم نعتده..
أصبح المواطن يرى رئيس الديوان الملكي في بيت الاردنيين.. يجلس معه بلا حواجز.. ويسمعه بلا مواعيد معقدة.. ويلتقيه في الأماكن العامة كما يلتقي أي مواطن مواطناً آخر.. والأهم من ذلك كله.. أنه لم يكن حضوراً بروتوكولياً يبحث عن صورة.. بل حضوراً إنسانياً يشعر معه المواطن.. أن المسؤول جاء ليسمعه.. لا ليطلب منه أن يصمت..
وهنا بدأت المشكلة!..
سامحك الله معالي أبا الحسن.. فقد أعطيتنا شيئاً.. أخشى أن نفقده بعدك.. أعطيتنا الأمل.. بأن المسؤول يمكن أن يكون قريباً.. وأن المنصب.. لا يعني أن يغلق المسؤول بابه في وجه الناس.. وأن الوطنية ليست كلمات تقال في المناسبات.. وإنما سلوك.. وموقف.. وتواضع.. وشعور حقيقي بالناس..
ومشكلتنا اليوم ليست معك.. بل مع ما سيأتي بعدك..
فماذا نفعل نحن الذين اعتدنا طويلاً على أن المسؤول.. لا يُرى إلا على الشاشات.. وأن أبواب المكاتب.. لا تُفتح إلا لمن يعرف الطريق إليها.. وأن حاجات الناس تحتاج إلى واسطة.. أو حظوة.. أو سيارة فارهة برقم مميز تقف أمام الباب؟!..
ماذا نفعل إذا عدنا بعدك إلى ذلك المشهد الذي ألفناه.. حتى أصبحنا نتعايش معه.. وكأنه قدر لا يتغير؟!..
معالي أبا الحسن.. ما فعلته مع النشمي أيمن الزعبي.. ذاك المواطن البسيط الذي أبكى كثيراً من الأردنيين وأبكاني شخصياً.. وقلّما أبكي.. لم يكن حادثة عابرة.. ولم يكن مجرد لفتة إنسانية أمام الكاميرات.. بل كان صورة لما يمكن أن يكون عليه المسؤول.. حين يتذكر أن خلف كل طلب إنساناً.. وخلف كل إنسان حكاية.. وأن المنصب مهما علا.. لا يرفع صاحبه فوق الناس..
ومن يعرف ما تقومون به بعيداً عن الإعلام.. يدرك أن الأمر ليس تمثيلاً.. ولا بحثاً عن تصفيق.. وإنما نهجاً.. أصبح واضحاً لكل من اقترب منكم..
وهنا أقولها بكل صراحة.. وبكل محبة.. وبكل ألم يملأ العين دمع..
ليتكم تتنحون يا معالي أبا الحسن!..
لا كرهاً بكم.. بل خوفاً عليكم منا.. وخوفاً علينا من بعدكم!..
لأننا ببساطة.. لا نثق بأن القادم سيكون مثلكم.. ولأننا نخشى أن تجعلونا نعتاد على المسؤول القريب.. ثم تغادرون.. فنعود إلى المسؤول الذي لا نراه.. إلا في الأخبار.. وإلى الباب المغلق.. والهاتف الذي لا يجيب.. والمعاملة التي تبحث عن صاحب نفوذ كي تتحرك..
لقد كنا قبل حضوركم.. نعرف كيف نعيش مع خيبة الأمل.. وكنا قد أقنعنا أنفسنا.. بأن قرب المسؤول من المواطن استثناء.. وأن سماع شكواه امتياز.. وأنَ أنْ يجد المواطن مسؤولاً يسمعه دون وسيط.. هو حدث يستحق أن نتحدث عنه..
أما أنتم.. فقد أفسدتم علينا هذا التعايش مع اليأس وخيبات الأمل!..
جعلتمونا نرفع سقف الأمل.. وجعلتمونا نكتشف.. أن بإمكان المسؤول أن يكون مهنياً وإنسانياً في الوقت نفسه.. وأن يكون قريباً.. دون أن يفقد هيبة المنصب.. ومتواضعاً.. دون أن يتنازل عن المسؤولية.. ووطنياً.. دون أن يجعل الوطنية شعاراً يقال أمام الكاميرات..
ولهذا.. فإن طلب تنحيكم ليس إلا صرخة مواطن يخاف من الغد.. يخاف أن يعتاد شيئاً جميلاً.. ثم يُنتزع منه.. فيكون الألم مضاعفاً..
فابقوا لنا كما أنتم ما قدّر الله لكم البقاء.. وأطال الله في عمركم بالصحة والخير والعافية.. ولا تنسوا.. أن أكبر شهادة يمكن أن يحصل عليها المسؤول.. ليست صورة على شاشة.. ولا خبراً في صحيفة.. وإنما أن يقول المواطن بعد رحيله.. الله يسهّل عليه.. كان قريباً منا.. وكان يسمعنا.. وكان واحداً منا..
ونسأل الله أن يقيّض لمؤسساتنا مسؤولين يحملون المسؤولية بروح أبي الحسن.. حتى لا يبقى المواطن مضطراً إلى أن يطلب تنحي المسؤول الجيد.. خوفاً من أن يأتي بعده من يعيد إليه خيبة الأمل التي نسي طعمها!..
