تبدأ الإشكالية الدستورية عندما يمتد أثر التشريع إلى جوهر الحق، لا إلى تنظيمه. فالمشرّع يملك تطوير القوانين وتحديثها بما يواكب متطلبات المرحلة، إلا أن هذه السلطة تبقى مقيدة بالحدود التي رسمها الدستور، حتى لا يتحول التنظيم إلى وسيلة تمس مضمون الحق أو تعيد تشكيله. وتزداد هذه المسؤولية كلما اقترب التشريع من الحقوق الدستورية، لأن الأمر لا يتعلق بتنظيم إجراء أو تطوير مرفق، وإنما بحقوق أحاطها الدستور بضمانات خاصة.
وتبرز هذه الإشكالية مع مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية، إذ لم يعد النقاش يقتصر على رقمنة الخدمات أو تبسيط الإجراءات أو تعزيز البيئة الاستثمارية، وإنما امتد إلى حدود السلطة التي يملكها المشرّع وهو ينظم حق الملكية، أحد أبرز الحقوق التي أفرد لها الدستور حماية خاصة.
ولا خلاف على أن المشروع يحمل العديد من الجوانب الإيجابية، كتنظيم البيع على المخطط، وتوسيع الخدمات الإلكترونية، ومعالجة بعض الإشكاليات العملية، ودعم النشاط الاستثماري. إلا أن جودة التشريع لا تقاس بحسن مقاصده وحدها، وإنما بمدى اتساق نصوصه مع الدستور، وقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وصون الحقوق الدستورية. فكلما اقترب التشريع من هذه الحقوق تعاظمت مسؤولية المشرّع في أن تكون نصوصه أكثر دقة ووضوحاً.
فالملكية الخاصة ليست منحة من السلطة، ولا مجرد مصلحة مالية، وإنما حق دستوري يرتبط بحرية الإنسان واستقراره الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك نصت المادة (11) من الدستور على أنه "لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون" كما أكدت المادة (128/1) أنه "لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها."
وهنا يفرض السؤال نفسه: أين ينتهي تنظيم الحق، وأين تبدأ إعادة تشكيله؟
لا خلاف على أن المشرّع يملك سلطة تنظيم حق الملكية، غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تقف عند السقف الذي رسمه الدستور. فالملكية لا تنحصر في سند التسجيل أو رقم قطعة الأرض، وإنما تمثل مركز قانوني متكامل يخول المالك سلطات الاستعمال والاستغلال والتصرف. وكل تنظيم يؤدي إلى الحد من هذه السلطات بما يمس جوهرها، يثير تساؤل مشروع حول ما إذا كنا ما زلنا أمام تنظيم للحق، أم أمام إعادة رسم لحدوده.
ومن هنا، فإن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على أحكام الاستملاك وحدها، لأن المشروع يتضمن أحكاماً أخرى تمس العلاقة بين المالك وملكه. فالاتجاه إلى استبدال شرط الإجماع في بعض حالات إزالة الشيوع بموافقة مالكي ثلاثة أرباع العقار يهدف إلى معالجة العقارات المعطلة وإدخالها في الدورة الاقتصادية، وهو هدف مشروع، إلا أنه يثير في المقابل نقاش قانوني حول مدى تأثير ذلك في سلطة الأقلية من الشركاء على ملكها، وهو نقاش يتصل بطبيعة الحق ذاته قبل أن يتصل بكفاءة الإجراء.
ومن المسائل التي تستحق قراءة دستورية متأنية إعادة تعريف "الطريق" بإضافة السكك الحديدية إلى مدلوله القانوني. فالأمر لا يتعلق بمجرد تعديل في المصطلحات، وإنما بتوسيع لمفهوم قانوني يرتبط مباشرة بحق الملكية. وإذا كانت مشروعات البنية التحتية تحقق بلا شك مصلحة وطنية، فإن ذلك لا يغني عن التساؤل حول مدى كفاية الضمانات المقررة لأصحاب العقارات التي قد تتأثر بها. فالحماية الدستورية لا تقاس بطبيعة المشروع، وإنما بمدى صون حق الملكية من أي ضرر فعلي قد ينتقص من قيمته أو يحد من الانتفاع به.
ويضاف إلى ذلك أن استحداث وحدة تنظيمية للإشراف على القطاع العقاري، والتوسع في بعض الصلاحيات التنظيمية والإدارية، يعكسان توجه نحو تعزيز الدور التنظيمي للإدارة، وهو ما يجعل الحاجة إلى الضمانات القضائية أكثر إلحاحاً. فكلما اتسعت الصلاحيات التي تمس المراكز القانونية للأفراد، ازدادت أهمية الرقابة القضائية باعتبارها الضامن الأساسي لحماية الحقوق وتحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد.
ولا تقف الإشكالية عند حدود النصوص المقترحة، بل تمتد إلى أحد المبادئ الدستورية المستقرة، وهو مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي أن تكون القواعد القانونية مستقرة وواضحة وقابلة للتوقع، بما يحقق الثقة في التشريع ويطمئن أصحاب الحقوق إلى استقرار مراكزهم القانونية. فمالك العقار لا يكتفي بوثيقة تسجيل تثبت ملكيته، وإنما يتطلع إلى ضمانة أعمق، تتمثل في بقاء الحماية القانونية المقررة لهذا الحق مستقرة، وألا يتغير مضمونه أو نطاقه كلما طرأت تعديلات تشريعية جديدة. فاستقرار الملكية ليس مصلحة فردية فحسب، بل أحد المقومات الأساسية للاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمار.
ولهذا، فإن معالجة الإشكاليات العملية، مهما بلغت أهميتها، ينبغي ألا تكون على حساب الضمانات الدستورية. فالتشريع الرشيد لا يقاس بسرعة الإنجاز أو تبسيط الإجراءات فحسب، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وصون الحقوق التي كفلها الدستور.
إن المادة (128) من الدستور لم تأت كنص شكلي، بل وضعت حداً فاصلاً بين تنظيم الحقوق والمساس بجوهرها، وهو الحد الذي ينبغي أن يبقى حاضراً عند مناقشة أي تعديل تشريعي. فنجاح القوانين لا يقاس بعدد المواد التي تعدلها، وإنما بقدرتها على ترسيخ الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز الشعور بأن الحقوق الدستورية تظل بمنأى عن أي انتقاص مهما كانت مبررات الإصلاح.
إن الدفاع عن حق الملكية لا يعني الوقوف في وجه التطوير أو معارضة الاستثمار، بل يعني التأكيد أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن احترام الدستور. فالإصلاح الذي يحقق التوازن بين متطلبات التنمية وضمانات الحقوق هو وحده القادر على بناء الثقة بالتشريع، وترسيخ دولة القانون التي يكون فيها الدستور المرجعية الأولى، وحق الملكية أحد الحقوق التي لا يجوز أن يمتد إليها التنظيم بما يمس جوهرها.
