يلاحظ الكثيرون مع التقدم في العمر تقلص دائرة الاصدقاء بشكل ملحوظ حيث تفرض مسؤوليات الحياة والزواج والانتقال الوظيفي واقعا جديدا يجعل الصداقة علاقة ثانوية مقارنة بالالتزامات الاسرية والعملية التي تستنزف الوقت والجهد.
ويظهر الواقع ان الصداقات التي تتشكل في مرحلة الشباب قد تكون هي الاخيرة للكثيرين نظرا لصعوبة توفر البيئة العفوية التي كانت تتيح التعارف في المدرسة او الجامعة دون الحاجة لبذل مجهود مسبق.
ويؤكد خبراء علم الاجتماع ان تكوين صداقات جديدة بعد الثلاثين لم يعد بالبساطة التي كان عليها في الصغر حيث يتطلب الامر مهارات تواصل ومبادرات شخصية وتنسيقا دقيقا للجداول المزدحمة بالمهام اليومية.
تحديات الصداقة في مرحلة البلوغ
وكشفت دراسات حديثة ان نسبة كبيرة من البالغين يعانون من غياب الاصدقاء المقربين في حياتهم اليومية مما يعزز الشعور بالوحدة ويوضح ان التعرف على اشخاص جدد لا يعني بالضرورة بناء علاقة صداقة وثيقة.
وبين المتخصصون ان غياب التفاعل غير المخطط له يعد من ابرز اسباب تراجع العلاقات الاجتماعية فالشخص البالغ يفتقر الى اللقاءات العفوية اليومية التي كانت توفرها الفصول الدراسية او ساحات الحرم الجامعي سابقا.
واضاف الباحثون ان تراكم التجارب السابقة من خيبات الامل او الخيانات يجعل الافراد اكثر حذرا واقل انفتاحا في بناء ثقة جديدة مع الغرباء وهو ما يعيق نمو العلاقات العاطفية والاجتماعية بشكل طبيعي.
استراتيجيات بناء الصداقات في سن متقدم
وشدد خبراء النفس على ان المبادرة هي المفتاح الاساسي لتجاوز حاجز العزلة فمن الضروري ان ياخذ الشخص الخطوة الاولى في الحديث مع الاخرين واقتراح لقاءات بسيطة لكسر الجليد وتنمية الروابط الجديدة.
واوضح المختصون ان توقع القبول بدلا من الخوف من الرفض يساهم بشكل كبير في تحسين جودة التواصل مع المحيطين حيث ان الكثير من الناس يميلون للتقليل من تقدير مدى اعجاب الاخرين بهم.
وتابع الباحثون ان التواجد المستمر في نفس الاماكن مثل النوادي او الانشطة التطوعية يساعد في خلق الفة تدريجية مع الاشخاص مما يحول المعارف العابرة الى اصدقاء حقيقيين بمرور الوقت والتعرض المتكرر.
أهمية الصداقة للصحة النفسية والجسدية
واكدت دراسات هارفارد طويلة الامد ان العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط ارتباطا وثيقا بطول العمر وتحسن الحالة النفسية حيث تعمل الصداقات على تحفيز افراز الاندورفين الذي يعزز من كفاءة الجهاز المناعي للجسم.
وبينت الدراسات ان الاصدقاء يمنحون الفرد شعورا بالانتماء ويخففون من حدة القلق والاكتئاب مما يجعلهم خط دفاع اول ضد ضغوط الحياه وازماتها المفاجئة كفقدان العمل او مواجهة التحديات الصحية الصعبة والمؤلمة.
واضاف الخبراء ان الصداقة ليست مجرد تسلية بل هي استثمار طويل الاجل في الذات يساهم في الحفاظ على الهوية والاستقرار النفسي ويمنح الانسان القدرة على التكيف مع التغيرات الجذرية في مراحله العمرية.
