تغوص ذاكرة كبار السن من الفلسطينيين في تفاصيل دقيقة تعيد رسم ملامح الحياة قبل عام 1948، حيث كانت القرى الفلسطينية تنبض بالخير والتعاضد الاجتماعي. وبينما تتراكم سنوات الشتات واللجوء، يظل الحنين إلى الديار البوصلة التي توجه المهجرين رغم قسوة الواقع ومرارة التهجير المتواصل. كشفت مقابلات مع شهود عيان عن حجم التباين بين حياة الاستقرار والرخاء في القرى الأصلية، وبين حياة المخيمات التي فرضتها ظروف النكبة وما تلاها من اقتحامات وحروب.
واوضحت الروايات أن الحياة كانت تسير بفطرة نقية، حيث كان التعاون سيد الموقف في الأفراح والأتراح، مما خلق نسيجاً اجتماعياً متماسكاً يرفض التبذير ويعلي من قيمة التكافل. واضاف المسنون أن الاعتماد على الأرض وما تنتجه من خيرات كان يمنحهم نوعاً من الاكتفاء الذاتي والاستقرار النفسي الذي تبدد بفعل التهجير القسري الذي طال معظم سكان فلسطين.
وبين الشهود أن الصدمة الأولى للجوء كانت مبنية على أمل العودة السريعة، وهو ما جعل المهجرين يتنقلون بقلة من المتاع، لكن الأيام تحولت إلى عقود طويلة من الانتظار في خيام تحولت مع الزمن إلى كتل اسمنتية مكتظة داخل المخيمات. واكدوا أن واقع المخيمات اليوم بات يعاني من ضيق المساحة وانعدام الخصوصية، بالإضافة إلى حصار الاحتلال المستمر الذي يضيق الخناق على السكان ويحرمهم من أبسط حقوقهم.
تداعيات التهجير والتمسك بحلم العودة
واشار الحاج صالح الخطيب إلى أن ذاكرته لا تزال تحتفظ بتفاصيل الرحلة القسرية من قرية صبارين، وكيف اضطرت العائلات للرجوع خلسة لاستعادة ما يمكن من مقتنياتهم قبل أن تشتد قبضة الاحتلال. وشدد على أن سياسات التجريف والتدمير التي طالت مخيمات الضفة الغربية لم تزد الفلسطينيين إلا تمسكاً بأرضهم وحقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية.
وبينت الحاجة مريم أبو لطيفة أن الحياة في قرية صرعة كانت تتسم بالهناء والوفرة، مشيرة إلى أن حكايا القرى لا تزال حية في وجدان الأجيال الشابة التي ترث مفاتيح العودة. واظهرت كلماتها أن الإرادة الفلسطينية تتحدى الزمن، حيث ترفض الأجيال المتعاقبة نسيان الجذور أو التنازل عن حق العودة مهما بلغت الضغوط والممارسات القمعية.
واكد الحاج عبد المجيد الغول أن واقع قطاع غزة يجسد نكبات متتالية، موضحاً أن قريته هربيا كانت تصدر البرتقال إلى العالم قبل أن تطالها آلة التدمير. واضاف أن التمسك بالأرض رغم الحروب المتلاحقة والدمار الشامل هو الرد الحقيقي على محاولات اقتلاع الفلسطيني من هويته وتاريخه، مشدداً على أن فلسطين تظل بالنسبة لهم أجمل مكان في العالم.
