يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان فصلا جديدا من فصول المعاناة المستمرة، حيث يواجهون موجات نزوح قسرية إضافية جراء تصاعد حدة التوترات والعدوان في مناطق الجنوب، مما يضعهم أمام تحديات إنسانية قاسية تضاف إلى مرارة اللجوء الأول الذي تعيشه أجيالهم منذ عقود طويلة. ورغم قسوة الظروف المعيشية داخل مخيم شاتيلا ببيروت، إلا أن بوصلة هؤلاء اللاجئين لا تزال تشير بوضوح نحو مدنهم وقراهم الأصلية في فلسطين، معتبرين أن النزوح الحالي ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من محاولات اقتلاعهم من جذورهم.
وتكشف شهادات حية من داخل المخيم حجم التمسك بالهوية الوطنية، حيث تؤكد عائلات فلسطينية مهجرة أن الانتماء للأرض لا يسقط بالتقادم أو بالتنقل الجغرافي. وتوضح إحدى اللاجئات المنحدرات من مدينة طبريا أن حياتها ومماتها مرتبطان بفلسطين، مشددة على أن القدس ليست للبيع وأن النزوح من الجنوب اللبناني أعاد إلى الأذهان ذكريات النكبة الأولى التي هجرت أجدادهم قسرا.
وتبين لاجئة أخرى من مدينة حيفا أن العائلة لا تزال تحتفظ بمفتاح البيت القديم كرمز حي لحق العودة الذي لا بديل عنه، موضحة أن أحلام الأجيال الجديدة لا تزال معلقة بالعودة إلى حيفا وافتتاح متاجرهم التي ورثوا حكاياتها عن آبائهم وأجدادهم. وتضيف أن الغربة مهما طالت لا يمكن أن تمحو ذكريات أشجار الزيتون في الوطن الأم، معربة عن تقديرها لحسن الضيافة اللبنانية رغم قسوة الظروف.
استمرار النكبة وتحديات الوجود
ويشدد لاجئون آخرون على أن النكبة الفلسطينية ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي واقع معاش يتجدد مع كل عملية قتل وتدمير تستهدف الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، لا سيما ما يشهده قطاع غزة اليوم. ويؤكدون أن العالم مطالب بالالتفات إلى معاناة ملايين المشردين الذين يرفضون الذوبان في الشتات، متمسكين بإرثهم الحضاري وتاريخهم الذي يسبق الكثير من الكيانات الموجودة في المنطقة.
ويوضح اللاجئون في مخيم شاتيلا أن لبنان تحمل على مدار عقود عبئا كبيرا في استضافة القضية الفلسطينية، مؤكدين أن تضامنهم مع الشعب اللبناني نابع من وحدة المصير في مواجهة الأزمات. وتظهر الأرقام الرسمية حجم التحديات التي يواجهها أكثر من 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، حيث يعاني غالبيتهم داخل مخيمات مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.
وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة كبيرة من اللاجئين يواجهون واقعا اقتصاديا متفاقما، إلا أن هذه الضغوط لا تزيدهم إلا تمسكا بقرار العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية. وتختتم العائلات حديثها بالتأكيد على أن الهوية الفلسطينية تظل هي الحصن الأخير في مواجهة محاولات الطمس، وأن مفتاح العودة يظل المطلب الأسمى الذي تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل.
