تشهد الساحة الدولية تحولات جذرية في موازين القوى مع الصعود الصاروخي للذكاء الاصطناعي، حيث باتت شركات التكنولوجيا الكبرى تمارس نفوذا يتجاوز الحدود التقليدية للدول، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الديمقراطية والامن القومي في ظل هذا التوسع الرقمي غير المسبوق. وتؤكد الخبيرة الهولندية ماريتجه شاكي في كتابها الاخير ان العالم يمر بمرحلة مفصلية تصفها بالانقلاب التكنولوجي، وهي حالة تشهد انتقالا تدريجيا للسلطة من المؤسسات الديمقراطية المنتخبة الى كيانات تقنية عابرة للحدود تتحكم في تدفق المعلومات والبنية التحتية الرقمية.
وكشفت شاكي ان هذا النفوذ لم يعد مقتصرا على الجانب الاقتصادي، بل امتد ليشمل صياغة السياسات الامنية وادارة السرديات خلال النزاعات الدولية، موضحة ان شركات التكنولوجيا اضحت لاعبا جيوسياسيا يمتلك ادوات مراقبة وتحكم تفوق في كثير من الاحيان قدرة الحكومات على التنظيم او المراقبة، وهو ما يضع ديمومة الانظمة الديمقراطية امام اختبار حقيقي في مواجهة عمالقة وادي السيليكون.
واضافت ان المشهد الحالي يتسم بتداخل مصلحي بين بعض الادارات السياسية وشركات التقنية، حيث يرى صناع القرار في الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، مبينة ان هذا التوجه ادى الى تراجع الدور الرقابي للدول مقابل تعزيز نفوذ المليارديرات الذين يديرون هذه الامبراطوريات الرقمية.
تغول التقنية وسقوط الحدود السيادية
وبينت الكاتبة ان الكتاب يسلط الضوء على تداعيات استخدام برامج التجسس وتقنيات الذكاء الاصطناعي في انتهاكات حقوق الانسان حول العالم، مشيرة الى ان هذه الادوات استخدمت في قمع الحريات المدنية في مناطق متعددة من العالم، بما في ذلك دول ديمقراطية عريقة، مما يعكس خطورة تحول التكنولوجيا الى سلاح بيد من يمتلك الوصول الى البيانات والقدرات التقنية المتقدمة.
واكدت ان الادارة الامريكية الحالية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي وفق منطق القوة المطلقة، حيث يتم توظيف هذه التقنيات لخدمة اهداف استراتيجية بعيدة المدى، موضحة ان هذا النهج يمنح الشركات حصانة ضمنية من المحاسبة، لان الدولة اصبحت تعتمد بشكل كلي على ادوات تلك الشركات في العمليات العسكرية والسياسية، وهو ما يجعل مبدأ المساءلة غائبا في معادلة القوة الحالية.
وتابعت موضحة ان المخاطر لا تقتصر على الجانب الامني فحسب، بل تمتد لتشمل التحكم في المعلومات العامة وتشكيل الوعي المجتمعي، مشددة على ان غياب البدائل الوطنية القوية يجعل الحكومات رهينة لقرارات الشركات الخاصة التي لا تخضع لمعايير الشفافية الديمقراطية او الرقابة الشعبية، مما يعمق الفجوة بين السلطة والجمهور.
استعادة السيادة في عصر الخوارزميات
واوضحت ان الحل يكمن في ضرورة تحرك الدول الديمقراطية بشكل جماعي لبناء بدائل تكنولوجية تنافسية، لا تكتفي بوضع الاطر القانونية فقط، بل تركز على خلق بيئة سوقية تشجع على الابتكار المنضبط، معتبرة ان التغيير يتطلب تحالفات دولية تفرض معايير حوكمة مشتركة تضمن قابلية التشغيل البيني وتكسر احتكار المنصات المهيمنة.
وبينت ان الكلمة الاخيرة في صراع السيطرة على الفضاء الرقمي لم تُحسم بعد، مشددة على ان امكانية استعادة الحكومات لزمام المبادرة لا تزال قائمة اذا ما تم ترسيخ الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة قيمية تحترم حقوق الانسان وتضع المصلحة العامة فوق اعتبارات الربح المادي، مؤكدة ان التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الرؤية الى سياسات عملية ملموسة قبل ان يصبح الانقلاب التكنولوجي واقعا لا رجعة فيه.
واختتمت حديثها بالاشارة الى ان المستقبل يتطلب وعيا جمعيا بحجم التهديد، حيث ان التكنولوجيا يجب ان تظل خادمة للمجتمعات لا سيدة عليها، داعية الى صياغة تعريف جديد لنجاح الذكاء الاصطناعي يرتكز على تعزيز الديمقراطية وحماية الحريات الفردية والجماعية من تغول التكنولوجيا العابرة للحدود.
