عاد ملف التقاعد المبكر القسري في الاردن ليثير موجة جديدة من الجدل، بعد تصريحات لخبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي، حذر فيها من استمرار سياسات انهاء خدمات موظفين في القطاع العام بعد اتمامهم 30 عاما من الخدمة، رغم اعلان سابق بالغاء هذا التوجه، ووصف المشهد قائلا: "رجعت حليمة لعادتها القديمة".
الصبيحي كشف عن انهاء خدمات عدد من موظفي وزارة الشباب مؤخرا، واحالتهم الى التقاعد المبكر، رغم ان بعضهم لم يبلغ سن الخمسين بعد، وهو ما اعتبره مؤشرا واضحا على ان القرار السابق لا يزال يطبق بشكل جزئي.
وبحسب ما اشار، فان اي مسؤول لا يزال يمتلك صلاحية احالة الموظف الذي استكمل 30 عاما من الخدمة الى التقاعد، ما يعني ان الغاء القرار لم يكن كاملا كما كان متوقعا، بل بقي مفتوحا لتفسيرات ادارية مختلفة.
ثغرات في النظام تعزز التقاعد القسري
الاشكالية لا تتوقف عند القرارات الادارية فقط، بل تمتد الى النصوص القانونية، حيث اكد الصبيحي استمرار العمل بالمادة (100/أ/2) من نظام الموارد البشرية، التي تتيح انهاء خدمة الموظف اذا استكمل شروط التقاعد المبكر سواء بطلبه او دون طلبه.
هذا النص، بحسب الخبير، يمنح الجهات الرسمية مرونة كبيرة قد تتحول الى اداة لفرض التقاعد القسري، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بعدالة الاجراءات واثرها على الموظفين.
ارقام مقلقة في 2026
البيانات التي عرضها الصبيحي تكشف صورة مقلقة، اذ خرج نحو 11 الف شخص الى التقاعد منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية نيسان 2026، من مختلف القطاعات، اكثر من ثلثيهم من القطاع العام.
في المقابل، انخفض عدد المشتركين النشطين في الضمان بنحو 10 الاف مشترك، وهو مؤشر سلبي يعكس تراجع قاعدة المساهمين مقابل زيادة اعداد المتقاعدين.
هذه التطورات تنعكس مباشرة على الوضع المالي لـ المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، حيث من المتوقع ان تتجاوز فاتورة التقاعد 2.2 مليار دينار خلال عام 2026.
وحذر الصبيحي من ان استمرار تراجع اعداد المشتركين، او حتى ضعف نموهم، قد يسرع الوصول الى نقطة التعادل بين الايرادات والنفقات، لتكون في عام 2028 او 2029 بدلا من 2030، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا على استدامة النظام.
ثلاث خطوات عاجلة لحماية الضمان
ولم يكتف الخبير بالتشخيص، بل طرح ثلاث خطوات اعتبرها ضرورية وعاجلة لحماية الضمان والحفاظ على استقراره المالي:
اولا، الغاء قرار احالة من اكمل 30 عاما من الخدمة الى التقاعد بشكل كامل ونهائي، دون تركه لاجتهادات المسؤولين.
ثانيا، تعديل المادة (100/أ/2) من نظام الموارد البشرية، عبر حذف عبارة "او دون طلبه"، لضمان عدم فرض التقاعد على الموظف دون رغبته.
ثالثا، الزام مؤسسة الضمان بوضع خارطة طريق واضحة للعشر سنوات المقبلة، تركز على توسيع قاعدة المشتركين، ورفع معدل نموهم الى 6 بالمئة سنويا على الاقل.
تساؤلات حول القرارات الحكومية
الصبيحي وجه تساؤلات مباشرة حول مبررات احالة موظفين في وزارة الشباب الى التقاعد المبكر قسرا، رغم الاثار السلبية التي قد تترتب على ذلك، سواء على الموظف او على الحكومة او حتى على الضمان نفسه.
كما طرح سؤالا اوسع حول استمرار ما وصفه بـ "شبح التقاعد المبكر القسري"، الذي لا يزال يلاحق موظفي القطاع العام، في وقت تحتاج فيه الدولة الى الحفاظ على الكفاءات وتعزيز الاستقرار الوظيفي.
وفي سياق متصل، اشار الصبيحي الى وجود اختلالات في هيكل الرواتب الخاضعة للضمان، لافتا الى ان نحو 29 بالمئة من المشتركين تقل اجورهم عن 300 دينار.
في المقابل، طرح تساؤلا حول عدم شمول رواتب مرتفعة جدا، مثل رواتب بعض المدراء التنفيذيين في البنوك، بشكل كامل ضمن مظلة الضمان، داعيا الى اعتماد نهج تكافلي يحقق عدالة اكبر في النظام.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو ان ملف التقاعد المبكر في الاردن لا يزال مفتوحا، مع تداخل العوامل الادارية والتشريعية والمالية.
الرسالة التي يطرحها الخبراء واضحة.. استمرار السياسات الحالية دون تعديل قد يضع نظام الضمان امام تحديات اكبر خلال سنوات قليلة، ما يتطلب قرارات سريعة وحاسمة تعيد التوازن بين حقوق الموظفين واستدامة الموارد.
