كتبت د. شريفة اللصاصمة:
أنا بنت قرية من الكرك.....
ولعل أول ما صنع شيئًا مختلفًا في شخصيتي أنني وأنا ابنة تلك البيئة خرجت مبكرًا إلى أماكن لم تكن تشبه عالمي الأول...
في عام 1997 التحقت بجامعة آل البيت في المفرق لدراسة الرياضيات..
كانت المفرق بعيدة جدًا عن الكرك في ذلك الوقت ولم تكن المسافة مجرد كيلومترات بين مدينتين.. كانت خروجًا أول من البيئة التي أعرفها إلى عالم أوسع..
وبعد عام انتقلت إلى جامعة مؤتة وبعد التخرج بشهرين فقط وجدت نفسي معلمة في البادية الجنوبية التابعة لمحافظة معان..
هناك كانت البداية الحقيقية..
كنت أدرّس صفوفًا مجمعة.. وأتعلم المهنة في مكان مختلف بظروف مختلفة..
وبعد أسبوعين تقريبًا من تعييني ..جاءت جولة ميدانية لمدير التربية آنذاك..
حضر موقفًا صفيًا وبعد انتهاء الجولة أبلغني أنني سأُنقل إلى مدرسة في قصبة معان..
أتذكر أنني بكيت وأنا أخبر زميلاتي المعلمات في السكن ..
كنت حديثة التعيين وكنت قد بدأت أعتاد المكان والناس وكنت من النوع الذي يحتاج إلى وقت حتى يألف المكان ثم يحبه..
فكرت وقتها أن النقل عقوبة..
واليوم....كلما تذكرت الموقف أبتسم...
انتقلت في نهاية الأسبوع إلى مدرسة الضاحية الأساسية بجانب كلية معان...
وبعد عام انتقلت إلى الأغوار الجنوبية إلى مدرسة الحديثة الثانوية وبقيت هناك عامين...
ثم جاءت مديرية القصر...
تنقلت بين مدارس أساسية وثانوية وعشت تفاصيل الميدان بكل ما فيه..
كنت وقتها مستعجلة جدًا..
طموحي كان أسرع مني..
كنت أريد أن أتقدم وأن أتولى مسؤولية أكبر وكنت أظن أحيانًا أن السنوات التي تمر يجب أن تعني بالضرورة أن الدور اقترب..
وحين لم يكن اسمي يظهر في المكان الذي أطمح إليه.. كنت أبكي وأغضب...
ثم أعود...وأرى الأسماء التي اختيرت ...وأجد بينهم من يستحقون فيهدأ غضبي..
لم أكن أفهم وقتها أن هذه أيضًا تربية..
أن تتعلم أن تستحق شيئًا لا يعني بالضرورة أن يأتيك فورًا...
وأن احترام استحقاق الآخرين لا ينتقص من طموحك..
كنت أقول لنفسي...سيأتي دوري...
وبعد عشر سنوات من الخدمة أصبحت مساعدة مديرة..
بقيت في هذا الموقع نحو عام ونصف لكن الطموح لم يهدأ..
كنت أريد أن أصبح مديرة مدرسة..
ومن كثرة إلحاحي كلفني مدير التربية آنذاك بإدارة مدرسة الرشايدة لمدة عام..
كان التكليف بالنسبة لي أكثر من موقع..
كان أول اختبار حقيقي لما إذا كنت أستطيع أن أكون في المكان الذي كنت أطالب به..
ثم خضعت للامتحان والمقابلة وتم تثبيتي مديرة..
ومن عام 2014 حتى عام 2022 كانت الإدارة المدرسية فصلًا طويلًا من حياتي..
ثماني سنوات تقريبًا في الميدان، بين الطلبة والمعلمين والأهالي والامتحانات والقرارات والمواقف اليومية التي لا تُكتب في السيرة الذاتية ..لكنها هي التي تصنع المدير..
وفي تلك السنوات لم تكن حياتي المهنية وحدها تتحرك...
كنت في الوقت نفسه أبني أسرتي وأتابع دراستي.. وأحصل على دبلوم التربية ثم دبلوم القيادة التعليمية ثم الماجستير في القياس والتقويم ثم الدكتوراه في المناهج...
لم يكن هناك وقت مثالي لأي شيء..
كانت الأسرة تكبر..والعمل يكبر.. والدراسة تكبر معي..
ثم في عام 2022 خرجت من الإدارة المدرسية إلى وحدة جودة التعليم والمساءلة كمقيّم..وبقيت فيها قرابة عام..
كانت تجربة مختلفة لأول مرة أرى المدرسة من زاوية أخرى وأقرأ العمل من خلال الجودة والمساءلة والمعايير... بعد سنوات طويلة كنت أعيش تفاصيله من الداخل...
ثم عدت إلى مديرية القصر مديرة فنية....
وهناك بدأت أشعر أن خبرتي في الميدان أصبحت أكبر من حدود المكان الذي أعمل فيه...
كنت أريد أن أرى الصورة الأوسع...
أن أعرف كيف تُبنى القرارات.. وكيف تصل احتياجات الميدان إلى مركز الوزارة وكيف يمكن للتجربة التي عشتها سنوات في المدرسة والمديرية أن تكون جزءًا من عمل أوسع..
وتيسرت الأمور بحمد الله وانتقلت إلى مركز الوزارة في عمّان..
وهذه كانت نقلة أخرى..
من ميدان يعرفك فيها الجميع.. إلى مؤسسة كبيرة لا يعرفك فيها أحد بالضرورة.
ومن مسؤولية محددة تجاه مدرسة ومديرية.. إلى مسؤوليات تتصل بقطاع أوسع..
وهنا اكتشفت أن كل محطة سابقة كانت تجهزني بطريقة ما لهذه المرحلة..
المعلمة التي عاشت البادية أصبحت تعرف معنى الميدان..
ثم جاءت الوزارة لا باعتبارها محطة منفصلة.. وإنما باعتبارها المكان الذي اجتمعت فيه أشياء كثيرة تعلمتها قبلها..
واليوم وأنا أعود بذاكرتي إلى الطريق قد يراه البعض مسيرة بسيطة...
معلمة.. مساعدة..مديرة..مقيم .. مديرة فنية ...مديرة مختصة في مركز الوزارة.
لكن التفاصيل هي التي تصنع الفرق.
أن تكون بنت قرية من الكرك...ثم تذهب إلى المفرق للدراسة..ثم تجد نفسك بعد أشهر من التخرج في البادية الجنوبية.. ثم في الأغوار.. ثم في مدارس القصر .ثم في إدارة مدرسة.. ثم في مركز الوزارة في عمّان…
أن تعيش كل هذه البيئات وتلتقي بكل هذا التنوع من الناس وتتعلم في الوقت نفسه وتبني أسرة.. وتكمل دراساتك ..وتمارس العمل التطوعي ..وتحاول في كل مرحلة أن تكون أفضل مما كنت عليه في المرحلة السابقة…
هذا كله لا يمر على الإنسان دون أن يترك فيه أثرًا..
لقد اتسعت رؤيتي مع اتساع المسافة..
تعلمت أن لا أحكم على مكان لمجرد أنني لم أعتده..ولا على إنسان من موقف واحد ولا على تجربة من بدايتها...
وتعلمت أن المسؤولية ليست موقعًا نجلس فيه..وإنما قدرة على أن نفهم ونقرر ونتحمل نتيجة القرار...
وتعلمت أن القوة ليست في أن لا نتعب وإنما في أن نواصل دون أن نفقد قدرتنا على التفكير..
وفي كل مرحلة كان هناك أشخاص آمنوا بي..
بعضهم أعطاني فرصة..
بعضهم رأى فيّ شيئًا قبل أن أراه أنا..
وبعضهم فتح بابًا لم أكن أعرف أنني سأدخل منه إلى مرحلة جديدة..
ولذلك لا أستطيع أن أقول إن هذه المسيرة صنعتها إرادتي وحدها..
صنعها توفيق الله ومن ثم إرادة وفرص وأشخاص وتجارب وبيئات مختلفة وأحيانًا ظروف لم أخترها لكنها علمتني كيف أتكيف معها..
وحين أنظر اليوم إلى المرأة التي بدأت من قرية في الكرك.. لا أبحث عن عدد المواقع التي وصلت إليها..
أسأل نفسي شيئًا آخر..
ماذا فعلت بي كل هذه المسافات؟
والجواب الذي أعرفه الآن أنني لم أعد تلك الفتاة التي تخاف من تغيير المكان..
صرت أعرف أن المكان الجديد قد يحمل فرصة لا أعرفها بعد..
لهذا ربما تبدو المسيرة بسيطة حين تُختصر في سطرين..
لكنني أعرف أن وراء كل سطر عمرًا كاملًا من التجربة..
وربما هذا هو الشيء الذي أعتز به أكثر..
أنني لم أصل إلى هنا دفعة واحدة..
تكوّنت على مهل…
وكل مكان أخذ مني شيئًا.. وأعطاني شيئًا...
حتى أصبحت اليوم أكثر هدوءًا في الحكم.. وأكثر اتساعًا في الرؤية وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية..
وأعرف أن الطريق لم ينتهِ..
لأنني لم أعد أبحث فقط عن مكان أصل إليه..
أبحث عن أثر أتركه حيث أصل..
