في ظل الجدل المستمر حول البطالة وفرص العمل والعمل اللائق في الاردن، تبرز دراسة منتدى الاستراتيجيات الاردني حول اسباب ترك الاردنيين لوظائفهم كوثيقة مهمة تفتح بابا واسعا للنقاش حول مستقبل سوق العمل، خاصة انها لا تركز فقط على توفير الوظائف، بل تبحث في قدرة هذه الوظائف على الاستمرار والحفاظ على العامل الاردني.
وتكشف نتائج الدراسة عن تحول جوهري في طبيعة تحديات سوق العمل، حيث لم تعد المشكلة محصورة في ارتفاع معدلات البطالة، بل امتدت الى قدرة السوق على توفير وظائف مستقرة وقادرة على الاحتفاظ بالعاملين، ما يجعل ارقام التشغيل المعلنة بحاجة الى قراءة اعمق ترتبط بجودة الفرص وليس بعددها فقط.
ارتفاع مغادرة الوظائف يكشف خللا في بيئة العمل
وبحسب البيانات الواردة في الدراسة، ارتفع عدد الاشخاص الذين تركوا وظائفهم من 42,680 عاملا عام 2008 الى 94,464 عاملا عام 2024، كما ارتفعت نسبة من غادروا اعمالهم بسبب ظروف العمل وطبيعته من 35% الى 62.2%، لتصل الى 70% خلال النصف الاول من عام 2025.
اقرأ أيضا :
وتشير هذه الارقام الى وجود تحديات حقيقية في بيئة العمل، فوجود فرصة وظيفية لا يعني بالضرورة نجاحها ما لم تكن قادرة على توفير ظروف مناسبة تحقق الاستقرار والتطور المهني للعامل.
وتوضح نتائج الدراسة ان الازمة الحالية لا ترتبط فقط بنقص الوظائف، بل بجودة العديد من الفرص المتاحة، ومدى توافقها مع مفهوم العمل اللائق من حيث الاجور وظروف العمل والاستقرار والحقوق الوظيفية.
القطاع الخاص في واجهة التحدي والحاجة لمراجعة التشريعات
واشارت الدراسة الى ان 83.8% من الذين تركوا وظائفهم بسبب ظروف العمل كانوا يعملون في القطاع الخاص، وهو ما يضع علامات استفهام حول واقع تطبيق قانون العمل، ومستوى الرقابة على المنشآت، ومدى الالتزام بمعايير العمل اللائق.
وبينت ان استمرار ارتفاع معدلات دوران العمالة يؤدي الى زيادة تكاليف التدريب والتوظيف، ويؤثر على انتاجية المؤسسات، كما ينعكس سلبا على قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة.
ولفتت النتائج الى ان مصطلح "ظروف العمل" يحتاج الى تفصيل اكثر، اذ ان الاسباب قد ترتبط بانخفاض الاجور، او طول ساعات العمل، او ضعف الاستقرار الوظيفي، او غياب فرص التقدم المهني، او ضعف تطبيق معايير السلامة المهنية، وهي عوامل تحتاج الى معالجة منفصلة لوضع حلول دقيقة.
واكدت الدراسة ان الانتقال من التركيز على عدد الوظائف المستحدثة الى قياس جودة هذه الوظائف اصبح ضرورة، خصوصا ان استمرار انتقال العاملين بين وظائف غير مستقرة قد يؤدي الى ظهور شكل جديد من البطالة داخل سوق العمل.
وشددت على اهمية بناء سياسات تشغيل تعتمد على استدامة الوظائف وليس فقط توفيرها، بحيث تصبح معايير العمل اللائق جزءا اساسيا من تقييم نجاح البرامج الاقتصادية والتشغيلية.
واقترحت الدراسة عددا من الاجراءات، من بينها انشاء مؤشر وطني لجودة الوظائف ينشر بشكل سنوي، ومراجعة تشريعات العمل لتحقيق توازن بين حقوق العامل وصاحب العمل، وتعزيز الرقابة على تطبيق معايير العمل اللائق، خاصة في القطاع الخاص.
كما دعت الى قياس معدل دوران العمالة في مختلف القطاعات الاقتصادية وربطه بالسياسات الحكومية وبرؤية التحديث الاقتصادي، الى جانب نشر بيانات اكثر تفصيلا حول اسباب ترك الوظائف وفقا للاجور وساعات العمل والعقود وبيئة العمل.
وطالبت كذلك بربط الحوافز الحكومية والاستثمارية المقدمة للشركات بمدى التزامها بمعايير العمل اللائق، وليس فقط بعدد الوظائف التي توفرها، لضمان تحول فرص العمل الى وظائف مستقرة تحقق قيمة حقيقية للاقتصاد والعامل الاردني.
