تحت انقاض برج المهندسين في مخيم النصيرات، الذي قصفته الطائرات الحربية الاسرائيلية على رؤوس قاطني 22 شقة سكنية، استشهد اكثر من 250 فلسطينيا في واحدة من ابشع جرائم الاحتلال في غزة على مدى عامي حرب الابادة، ولا يزال اكثر من نصفهم تحت الركام، بعدما تحولت اجسادهم الى رفات اختلط بحطام البرج المدمر.
عجز ذوو الضحايا عن انتشال جثامين احبتهم انذاك، بسبب غياب المعدات الثقيلة والجرافات اللازمة، ما ضاعف معاناتهم، اذ لم يقتصر الالم على الفقد، بل امتد ليشمل حرمانهم من حق الدفن اللائق، وبقيت الجراح مفتوحة في قلوب العائلات التي لا تزال تنتظر لحظة انتشال الرفات ووداعه الوداع الاخير.
وتخشى اسلام درويش (25 عاما)، التي فقدت زوجها وطفليها ولا يزالون تحت الانقاض، ان يذهب رفات احبتها ادراج الرياح بعد اكثر من عامين، في ظل العجز عن الوصول اليهم وانتشالهم، لقلة الامكانات ومنع الاحتلال ادخال المعدات الى القطاع.
مخاوف من فقدان الرفات
كما تخشى ان ينقل هذا الرفات مع الركام للتخلص منه في البحر او اعادة استخدامه في مشاريع انشائية بعد تدوير المخلفات.
وتقول للجزيرة نت "كل يوم يمر يكبر فيه الجرح، هم تحت الركام، وقد تحولوا الى رفات وعظام متحللة بعد كل هذه المدة الطويلة، وبعد ان عجزنا وعجز الدفاع المدني عن الوصول اليهم".
وتتساءل "هل بقي من رفاتهم ما يمكن ان ندفنه؟ وهل يمكن ان استعيد ما تبقى منهم لاودعهم كما يليق بهم؟"، وتضيف بصوت يثقله الالم: "لا اريد ان يبقوا مجرد ذكرى معلقة تحت الانقاض، او ان تزول ذكراهم مع الركام، ويظل مصيرهم مجهولا بلا وداع ولا قبور".
معاناة مستمرة
يعيش شاهر ابو عودة (35 عاما) تجربة مشابهة، مع اختلاف في التفاصيل، اذ لا يزال معظم افراد عائلته، المكونة من 14 شخصا، تحت انقاض منزلهم في القرية السويدية قرب محور فيلادلفيا برفح، بعد استهدافه.
نجا شاهر وحده، قبل ان يضطر الى مغادرة المكان تحت وقع الاجتياح، دون ان يعرف مصير عائلته، بعدما جرف الحي بالكامل ونقل ركامه الى جهات مجهولة.
ويقول للجزيرة نت "ما جرى جريمة مركبة، قصف المنزل على رؤوس ساكنيه، ثم ترك الجثامين تحت الانقاض، واخيرا تجريف الركام بما يحمله من رفات، دون ان تتاح لنا فرصة انتشالهم او معرفة مصيرهم حتى اليوم".
مطالبات بمعرفة المصير
ويطالب بمعرفة مصير رفات ذويه واين نقل بعد ازالة الركام "نريد اجابات تنهي هذا الغموض المستمر"، مؤكدا ان ما يحدث يتناقض مع القوانين الدولية التي تكفل حق الضحايا في الانتشال والدفن الكريم.
وفي مجزرة عائلة ابو النصر، التي راح ضحيتها 150 شهيدا بمشروع بيت لاهيا، شمالي القطاع، لا يزال رفات 23 منهم تحت الانقاض حتى اليوم، بعدما تحللت جثثهم واختلطت بركام المنزل الذي اختفت اثاره بالكامل.
تقول الناجية اية ابو النصر (30 عاما) للجزيرة نت "الصواريخ التي انهالت على المنزل دمرت كل شيء، ومزقت الجثامين الى اشلاء اختلطت بالركام، حتى اصبح من المستحيل التعرف عليهم".
دعوات للتدخل العاجل
وتضيف "منع ادخال المعدات اللازمة لرفع الانقاض يؤكد تعمد ترك الجثث تحت الركام، وهو ما يشكل مخالفة صريحة للقوانين الدولية ومبادئ حقوق الانسان، وجريمة حرب مركبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كل ما نريده هو دفنهم بكرامة".
وتدعو المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الانسان الى التدخل العاجل للضغط من اجل تمكين طواقم الانقاذ من الوصول الى مواقع الدمار، وانتشال الجثامين، وكشف مصير المفقودين، مؤكدة ان "استمرار هذا الوضع يفاقم معاناة العائلات ويبقى جراحها مفتوحة دون افق للانصاف".
وتفيد بيانات المديرية العامة للدفاع المدني الفلسطيني بان الاف الشهداء ما زالوا تحت انقاض المنازل المدمرة.
أرقام الضحايا تحت الأنقاض
- رفح: 189 شهيدا تحت انقاض 30 منزلا.
- خان يونس: 580 شهيدا تحت 109 منازل.
- المحافظة الوسطى: 890 شهيدا تحت 130 منزلا.
- محافظة غزة: 4210 شهداء تحت انقاض 589 منزلا.
- شمال غزة: 2341 شهيدا تحت 387 منزلا.
ويؤكد محمد المغير، مدير ادارة الدعم الانساني والتعاون الدولي في الدفاع المدني بقطاع غزة، للجزيرة نت، ان طواقم الدفاع المدني، وخلال مشروع لانتشال نحو الف شهيد بدعم من اللجنة الدولية للصليب الاحمر، لم تعثر على اي اثر لنحو 50% منهم، نتيجة التحلل الشديد وتاثيرات الاسلحة المستخدمة.
من جهته، يقول احمد رضوان، مدير الاعلام في الدفاع المدني بمحافظة رفح، للجزيرة نت، ان "قوات الاحتلال عملت على تفتيت الجثامين باستخدام وسائل الية، من بينها الروبوتات، قبل تجريف الركام ونقله لاستخدامه في اعمال انشائية داخل اسرائيل او في مناطق مصنفة صفراء داخل القطاع".
انتهاكات جسيمة
ويشير الى ان شركات محلية شاركت في ازالة كميات ضخمة من الركام، دون وضوح مصيره، في وقت تشير فيه المعطيات الى احتمال اختلاطه برفات الشهداء، نتيجة منع طواقم الانقاذ من العمل على انتشال الجثث في حينه.
ويتابع ان ذلك يشكل انتهاكا جسيما للقانون الدولي الانساني، ويضاعف من معاناة العائلات التي لا تزال جثث ابنائها تحت الركام وقد تحولت الى رفات.
من جهته، يشدد مدير المكتب الاعلامي الحكومي في غزة، اسماعيل الثوابتة، في حديثه للجزيرة نت، على ان "هناك معطيات ميدانية تفيد بتعمد تجريف المنازل فوق جثامين الضحايا وخلط الرفات بالركام"، داعيا الى تحقيق دولي سريع ومستقل.
دعوات للتحقيق
في المقابل، تقول اللجنة الدولية للصليب الاحمر انها تعمل كوسيط محايد، وتجري حوارات مباشرة مع اطراف النزاع لتسهيل الوصول الانساني.
وتوضح المتحدثة باسمها، اماني الناعوق، للجزيرة نت، ان "اللجنة تسعى لتامين مرور الطواقم الطبية والدفاع المدني، لكن قرارات السماح تبقى بيد الاطراف، وقد ترفض او تتاخر، كما لا يمكن ضمان سلامة العاملين حتى بعد الموافقة".
وتشير ان اللجنة دعمت جهود انتشال الرفات عبر التدريب والمعدات، مؤكدة ان عمليات البحث معقدة وتحتاج الى وقت وامكانات كبيرة في ظل حجم الدمار.
جرائم حرب مكتملة الأركان
بدوره، يقول زاهر الوحيدي، مدير مركز المعلومات في وزارة الصحة، للجزيرة نت، ان "عدد الشهداء تحت الانقاض يقدر بنحو 9000، فيما جرى انتشال نحو 1500 جثمان خلال فترات هدنة سابقة".
ويبيّن الوحيدي ان عائلات باكملها ابيدت دون تسجيل رسمي، ما يعني ان الاعداد الحقيقية قد تكون اعلى، في حين تحولت جثامين كثيرة الى رفات.
بينما يصف المحامي والخبير في القانون الدولي علي العطار ما يحدث للجثامين بانه "جريمة حرب مكتملة الاركان" ضمن سياق جرائم ابادة جماعية، موضحا -للجزيرة نت- ان "استهداف المدنيين داخل منازلهم، ومنع انتشال الجثامين، وعرقلة عمل الطواقم الانسانية، كلها انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف".
ويضيف ان "تجريف الركام المختلط برفات الضحايا ونقله واعادة استخدامه يمثل امتهانا صارخا للكرامة الانسانية، وانتهاكا خطيرا للقانون الدولي، واعتداء على الحق العام للشعب الفلسطيني".
ختاما يبقى ملف المفقودين ورفات الضحايا واحدا من اكثر القضايا الانسانية تعقيدا والم نتيجة ابادة اودت بحياة اكثر من 72 الف غزي، معظمهم اطفال ونساء، حيث تختلط الذاكرة بالركام، ويظل السؤال مفتوحا: اين انتهت اجساد الضحايا، ومن يملك حق الاجابة؟
