في قطاع غزة المحاصر، وبينما تتلاشى فرص الحصول على مواد البناء الأساسية، تحولت خيمة نزوح لعائلة غزية إلى ورشة عمل لصناعة الإسمنت، في محاولة يائسة للتغلب على الظروف القاسية وتوفير لقمة العيش.
اتصلت بإبراهيم أبو جبل، وهو معيل لتسعة أفراد، لترتيب مقابلة معه، وحين سالته عن مكان إقامته، أجابني ببساطة: تعالي إلى شارع الرشيد، مفترق النابلسي، نحن هناك.
وحين وصلت، لم أجد بيتًا بالمعنى المتعارف عليه، بل خيمة متواضعة تتكئ على ما تيسر من القماش، أما بابها، فلم يكن سوى قطعة شادر علقها أبو فارس باسلاك، لتفصل بشكل هش بين الداخل والخارج، كما هو حال معظم خيام قطاع غزة.
من الركام الى لقمة العيش
ما إن رفعت الشادر ودخلت، حتى بدا المشهد كخلية نحل صغيرة تشتغل بلا توقف، فأم فارس وأطفالها، يتقدمهم فارس البالغ من العمر ستة عشر عامًا، منهمكون في غربلة الإسمنت بأكف عارية، بلا قفازات ولا أدوات حماية.
في هذا المكان الضيق، تجتمع حياة كاملة تحت قماش واحد، خيمة للسكن، وورشة للعمل، ومساحة ضيقة تحاول فيها الأسرة أن تنتزع من أقسى الظروف سببًا للبقاء.
جلس إبراهيم بملابس اختلط فيها غبار الإسمنت بتعب الأيام، وكفين أكلتهما الجروح والجفاف، وبقطعة حديد صلبة ومطرقة صنعها يدويًا من مخلفات قذيفة دبابة إسرائيلية، بدأ يتعامل مع الإسمنت المتحجر الذي فقد كيميائيًا أكثر من نصف خصائصه، وتراجع معه كثير من قدرته على التماسك في البناء.
رحلة البحث عن الاسمنت
يطرق الرجل الكتل القاسية من الإسمنت المتحجر واحدة تلو الأخرى، مفككًا إياها كمرحلة أولى للبدء بتصنيعه، بينما ابنه فارس صاحب فكرة المشروع يقوم بتجهيز المرحلة الثانية وهي تحميصه على لوح معدني ونار مشتعلة، ويزيح عن عينيه الدخان ويكرر سعلته نتيجة تطاير غبار الإسمنت ثم يقول: والله يابا هالشغلانة مش شغلتنا، ولا شغلة إخوتي الصغار، أنا حابب هالشغل بس تعبان منه.
سالنا فارس عن المكان الذي يجلب منه الإسمنت الحجري، فارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، بدت كأنها تختصر اعترافًا صامتًا بأن عمله اليومي محفوف بالخطر، وبين ان كل يومين تقريبا اتوجه إلى منطقة المغراقة في المحافظة الوسطى بقطاع غزة، حيث يحفر تحت البيوت المدمرة بحثًا عن هذه الكتل، ثم يحملها على توك توك ويعود بها لتبدأ رحلة العمل.
وبينما كان يقلب الإسمنت على النار، كانت والدته تناديه ليناولها المصفاة والشبك ذي المسامات الدقيقة جدًا، تجهيزًا للمرحلة الثالثة من التصنيع.
الاسر يعيد تاهيل نفسه بالعمل
كان الأب اليد الأولى التي ساندت فارس في المشروع منذ بدايته، فشجعه على المضي فيه بعد خروجه من الأسر قبل أيام، وتولى إدارة العمل من تأمين مواده إلى متابعة مراحله.
قال فارس انه تم اعتقاله لدى سجون الاحتلال لمدة شهرين، وحاول بكل الطرق التخلص من الآثار النفسية التي تركها السجن والتعذيب في داخلي.
واضاف وهو يزيد حطبًا للحفاظ على استمرار شعلة النار: ذهبت إلى عشرة أطباء نفسيين، لكن أحدًا منهم لم يجدِ نفعًا لا شيء أعاد لي نفسيتي وحسنها مثل هذا المشروع، فقد أنقذني بنسبة تسعين بالمئة من معاناتي النفسية.
العائلة بأكملها تعمل لانتاج الاسمنت
بعد تحميص الإسمنت، بدأ فارس ووالده بنقله إلى مفرش كبير، لتلتف العائلة كلها حوله في المرحلة التالية من العمل: الغربلة بأدوات بدائية، وبأكف عارية، وكان كل فرد يعرف مهمته جيدًا، وبينما كانت الأم تتابع ما يفعله أطفالها، قالت بنبرة أثقلها التعب: هؤلاء الأطفال من المفترض أن يحظوا بتعليمهم الدوري والاهتمام بهم، لكن للاسف هم يشاركوننا في هذا العمل الشاق، لاننا لا نملك القدرة على دفع أجرة لأيد عاملة.
تحاول أم فارس أن تجمع بين أن تكون امتدادًا لدور أمومة أجبرت الحرب والظروف المعيشية على أن تختلط فيه الرعاية بالتعب، والتربية بمقتضيات البقاء، وبين محاولة تعويض ما فقدوه من تعليم وحياة طبيعية، وبين سد النقص في العمل داخل المشروع.
وفي قلب هذا المشهد يقف أحمد، الشقيق الأصغر البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، وقد ذاق بدوره خوفًا مبكرًا حين احتجزه الجنود الإسرائيليون قرب حاجز موراغ اربع ساعات كاملة، من دون أن تعلم والدته عنه شيئًا، قبل أن يتصل الصليب الأحمر ويبلغها بضرورة الحضور لتسلمه.
اقتصاد البقاء في غزة
وينتج المشروع العائلي نحو سبعة أكياس من الإسمنت يوميًا تتراوح أوزانها بين خمسة وعشرين وسبعين كيلوغراما، ويصل سعر الكيس الكبير منها إلى نحو مائتي دولار.
ويرى الباحث والمختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما تفعله هذه العائلة يندرج ضمن ما يمكن تسميته اقتصاد البقاء، أي التكيف مع الواقع القائم وخلق فرصة عمل تتيح الحد الأدنى من تلبية الاحتياجات.
ويوضح في حديث ان الإسمنت يمثل المفتاح الأساسي لتحريك دورة اقتصادية كاملة، فدخوله يعني بالضرورة تشغيل عامل البناء والدهان والسباك وسائر المهن المرتبطة بعملية الإعمار، بما يجعله في نظره أشبه بمنقذ من عنق الزجاجة الاقتصادية.
الاسمنت حل اضطراري
ويضيف المهندس المدني نايل المدهون ان مدة صلاحية الإسمنت في الظروف الطبيعية لا تتجاوز ستة أشهر، في حين لم يدخل إلى قطاع غزة منذ نحو ثلاث سنوات كيس إسمنت واحد، مما جعل المادة المتاحة اليوم بعيدة عن خصائصها الأصلية.
ويبين أن الإسمنت يمثل المادة الرابطة الأساسية بين الرمل والحصى في أعمال الباطون، كما يشكل عنصر التماسك في القصارة والتشطيبات، غير أن الإسمنت المتحجر يفقد جزءًا كبيرًا من كفاءته، وقد لا تتجاوز المتبقي منها عشرين بالمئة.
ويختتم هذا اليوم في الخيمة، لتكون شاهدة على عائلة لم تجد ما تتكئ عليه سوى جهدها، فأب وأم وأطفال يحيطون بالركام، ليصنعوا منه ما يسند يومهم التالي، ويمنحهم وسط هذا الضيق كله سببًا آخر للبقاء.
