يشهد عالم تطوير الالعاب سباقا حثيثا نحو تحقيق اقصى درجات الواقعية، الا ان القدرات الحاسوبية كانت تشكل عائقا دائما، فكلما ازدادت التفاصيل، ارتفعت متطلبات العتاد والطاقة، لكن تقنيات الذكاء الاصطناعي برزت اخيرا كحل مبتكر لسد هذه الفجوة.

فقد كشفت شركة انفيديا الامريكية عن تقنية دي ال اس اس 5 (DLSS 5) التي تعد بتحول جذري في صناعة المشهد الرقمي في العاب الفيديو، وهي تتجاوز مجرد تحسين الصورة، فبموجب هذه التقنية، لم تعد بطاقة الشاشة ترسم ما يراه المطور، بل تتخيل الواقع وتبنيه عصبيا في اجزاء من الثانية.

ووفقا للشركة، فان هذه التقنية تمثل قفزة نوعية في مجال معالجة الرسوميات، وتفتح الباب امام تجارب لعب اكثر واقعية وغامرة.

ما هي تقنية دي ال اس اس؟

دي ال اس اس هي اختصار للتعلم العميق فائق العينات (Deep Learning Super Sampling)، وهي تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي طورتها شركة انفيديا، وتقوم فكرتها الاساسية على معالجة الصور بدقة منخفضة للحفاظ على اداء عال وسرعة استجابة، ثم استخدام نماذج تعلم عميق لاعادة بناء الصورة بدقة اعلى بكثير، وهذا يعني ان بطاقة الشاشة تنتج صورا تبدو وكانها معالجة بدقة فور كيه (4K) بينما هي في الواقع مبنية من دقة اقل، مما يقلل العبء على العتاد.

واضافت انفيديا خلال مؤتمر جي تي سي (GTC) الذي عقد في الفترة الاخيرة، ان التقنية انتقلت من مرحلة رفع الدقة الى ما وصفه المدير التنفيذي جينسن هوانغ بـالرسم العصبي التوليدي (Neural Rendering).

وبينت الشركة انه بينما كانت الاصدارات السابقة تعتمد على تحسين الحواف، فان دي ال اس اس 5 تستخدم شبكات عصبية لاعادة بناء المواد والاضاءة من الصفر.

كفاءة اعلى وتكاليف اقل

وبحسب تحليل تقني نشره موقع ديجيتال فاوندري البريطاني (Digital Foundry)، فان التقنية تقوم بتوليد تفاصيل بصرية لم تكن موجودة في الكود الاصلي، مما يمنح الالعاب مظهرا يحاكي الواقع بشكل فائق.

واشارت تقارير من استوديوهات عالمية مثل كابكوم (Capcom) الياباني ويوبيسوفت (Ubisoft) الفرنسي، الى ان الاعتماد على دي ال اس اس 5 سيغير نموذج اقتصاديات التطوير، حيث تتيح التقنية خفض ميزانيات الالعاب التي تطورها الشركات الكبرى عبر تقليل الاعتماد على القوة الخام.

وذكر تقرير لموقع تومز هاردوير الامريكي ان التقنية ستسمح للاستوديوهات الصغيرة بتقديم جودة بصرية كانت حكرا على الشركات العملاقة.

الفن البشري مقابل الخوارزمية

لكن في ذات الوقت، لم يخل المشهد من انتقادات حادة، حيث اكدت وثائق الهندسة المعمارية الخاصة بانفيديا ان الميزات الثورية لـ دي ال اس اس 5 تتطلب انوية معالجات رسومية من الجيل الخامس، والموجودة حصريا في فئة بطاقات ار تي اكس 50 (RTX 50) او ما يعرف بمعمارية بلاكويل (Blackwell)، وهذا الربط التقني وصفه موقع سي نت الامريكي بانه نوع من التقادم المخطط له لاجبار المستخدمين على ترقية عتادهم.

وفي الجانب الفني، يبرز تخوف حقيقي من طمس الهوية، ففي عرض حي للعبة ريزدنت ايفل ريكويم (Resident Evil Requiem)، لاحظ نقاد فنيون ان الذكاء الاصطناعي قام بصقل ملامح الشخصيات والبيئات، لكنها فقدت طابعها السوداوي الاصلي، وهذا ما دفع مطورين للتحذير عبر موقع ذا فيرج الامريكي من ان الواقعية الخوارزمية قد تؤدي الى توحيد جمالي للالعاب.

ويرى البعض ان هذا الامر قد يؤثر سلبا على التنوع الفني والابداعي في صناعة الالعاب.

بين اليوتوبيا التقنية وهواجس السيطرة

ولا ينظر الخبراء الى دي ال اس اس 5 كطفرة رسومية فحسب، بل كاعلان عن سيادة الذكاء الاصطناعي على المحتوى الرقمي، حيث يرى المحلل التقني ريتشارد ليدبيتر من موقع ديجيتال فاوندري البريطاني ان العالم بصدد دخول مرحلة التصيير الاحتمالي (probabilistic rendering)، حيث لا تقوم البطاقة برسم ما هو موجود، بل بما يحتمل وجوده، مما يرفع الكفاءة بشكل غير مسبوق لكنه يفتح الباب لثغرات بصرية غير متوقعة.

وفي سياق متصل، حذر خبراء في استراتيجيات السوق لدى سي نت من ان حصرية التقنية لجيل ار تي اكس 50 قد تعمق الفجوة الطبقية بين اللاعبين، وتحول الواقعية الفائقة الى رفاهية محصورة في فئة محددة.

وبينما يصف رئيس انفيديا جينسن هوانغ هذا التحول بانه لحظة تاريخية تعادل ثورة المحركات البخارية في الصناعة، يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه المطورون، هل سنحافظ على روح الفن في العابنا، ام اننا بصدد تسليم مفاتيح الابداع البصري لخوارزمية لا تفرق بين الجمال الفني والدقة الحسابية؟