تشهد اسعار السلع الغذائية في لبنان ارتفاعا ملحوظا منذ اندلاع التوترات الاقليمية، لتتحول من مجرد انعكاس اقتصادي الى ازمة معيشية مباشرة تضغط على كاهل الاسر وتعيد ترتيب اولويات الانفاق، وتشمل هذه الموجة من الغلاء معظم السلع، بدءا من المواد الاساسية وصولا الى المنتجات المحلية، في مشهد يعكس تداخلا بين ارتفاع التكلفة العالمية وتسعير داخلي متسارع يثير تساؤلات حول اسبابه وحدوده.

وتقول رنا، وهي موظفة تقطن في بيروت، ان الغلاء قد طال مختلف السلع الغذائية من المعلبات الى المواد الاساسية وحتى المنتجات المحلية، مشيرة الى ان بعض الاسعار قد ارتفعت بنسب تتراوح بين 30 و50 في المئة خلال فترة قصيرة، وتضيف ان ربطة المعكرونة التي كانت تشتريها بدولار او دولارين، باتت اليوم تقارب الخمسة دولارات، موضحة ان حتى الخبز قد تغير سعره، اذ يشترونه اليوم بما يقارب 0.8 دولار من الفرن وقد يصل الى نحو دولار واحد في المتاجر.

ولم تقتصر الزيادات على السلع المستوردة المرتبطة مباشرة بالتقلبات العالمية، بل طالت ايضا المنتجات المحلية، مما زاد من تعقيد المشهد، فقد سجلت المعلبات، من الفول والحمص الى الاجبان والالبان، ارتفاعات ملحوظة، بينما ارتفعت اسعار المعكرونة والمواد الاساسية الاخرى بنسب لافتة.

تاثير الحرب على جيوب اللبنانيين

وحتى الخضراوات، التي يفترض ان تكون اقل تاثرا بالعوامل الخارجية، سجلت ارتفاعات، مع تراجع حركة نقل البضائع من اسواق الجملة في الجنوب والبقاع، مما ادى الى انخفاض العرض في العاصمة وارتفاع الاسعار.

وهذا التوسع في الغلاء يطرح تساؤلات حول ما اذا كانت الاسواق تتحرك فقط تحت ضغط التكلفة، ام ان هناك رفعا استباقيا للاسعار يتجاوز التكلفة الحقيقية.

ويحذر الخبير الاقتصادي وليد ابو سليمان من انعكاس ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة عالميا على الاسعار في لبنان، مؤكدا ان معظم السلع الغذائية مستوردة، مما يجعل السوق المحلية شديدة التاثر، ويقول ان تكلفة شحن الحاوية قد ارتفعت من نحو الف الى 1500 دولار، بالتوازي مع زيادة اقساط التامين واسعار المحروقات، موضحا ان التكلفة تمتد الى التخزين والتوزيع، حيث تعتمد المستودعات والنقل على المازوت، ويشير الى ان هذه الزيادات تتراكم عبر كامل سلسلة الامداد وستنعكس حتما على المستهلك.

ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة

وبدوره يؤكد ممثل موزعي المحروقات في لبنان، فادي ابو شقرا، ان ارتفاع الاسعار يرتبط مباشرة بالتطورات العالمية والتوترات في ممرات حيوية كمضيق هرمز، مشيرا الى ان اي زيادة في النفط تنعكس تلقائيا على المحروقات، ومن ثم على تكلفة السلع والخدمات.

ويلفت الى ان الاسعار قد ارتفعت بنحو 40 الى 45 في المئة خلال شهر واحد، اذ صعد سعر صفيحة البنزين من نحو 17 دولارا الى قرابة 26 دولارا، معتبرا ان هذا الارتفاع له تداعيات مباشرة على مختلف القطاعات، مؤكدا ان انعكاسه على اسعار المواد الغذائية بدا يظهر بالفعل.

ورغم هذا الارتباط، يشير رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي، الى ان التوقيت يطرح اشكالية، اذ يؤكد انه حتى اللحظة لا توجد اي مشكلة في التموين ولا مؤشرات جدية الى انقطاع المواد الغذائية، ما دام مرفا بيروت ومطار بيروت يعملان بشكل طبيعي، مشيرا الى ان سلاسل الامداد لا تزال قائمة وحركة الاستيراد مستمرة ولو ضمن ظروف اكثر تعقيدا.

هل يستغل التجار الازمة؟

ويضيف ان الوضع لا يمكن وصفه بالمريح، اذ ان ارتفاع اسعار النفط عالميا انعكس مباشرة على تكلفة الشحن والتامين، مما قد يؤدي الى ارتفاع تدريجي في الاسعار خلال الاسابيع المقبلة، موضحا ان التاثير الفعلي لهذه الزيادات لم يظهر بالكامل بعد، لان البضائع التي تصل حاليا تم شحنها قبل ارتفاع التكاليف بينما ستظهر الفوارق تباعا خلال فترة تمتد بين اسبوعين وشهر.

وفيما يتعلق بالمخزون، يوضح بحصلي ان الحديث عن رقم دقيق امر صعب بسبب تنوع السلع الغذائية، لكن يمكن القول ان المخزون العام يتراوح بين شهرين وثلاثة اشهر وهو المعدل الطبيعي لدورة الاستيراد، مشيرا الى ان هذا المخزون يختلف بحسب السلع، فالمواد الجافة مثل الارز والبقوليات متوفرة لفترات اطول، بينما السلع الطازجة كالدواجن واللحوم والخضراوات تخضع لديناميكيات مختلفة وقد تتاثر بشكل اسرع.

وهذا الواقع يعني ان الاسواق لا تعاني حاليا نقصا في المواد، بل تواجه خللا في التسعير وتفاوتا في التكلفة.

تضارب الاسعار في الاسواق

ويؤكد بحصلي ان ارتفاع اسعار الطاقة لا يعني بالضرورة ارتفاعا موازيا في اسعار السلع الغذائية، موضحا ان الزيادة في تكلفة الطاقة، رغم انها تجاوزت 40 في المئة، تنعكس بنسبة محدودة على السعر النهائي للسلعة، لان الطاقة تشكل جزءا صغيرا من التكلفة الاجمالية، معتبرا ان اي زيادة تتراوح بين 2 و5 في المئة تعد منطقية في هذه المرحلة ولا تبرر القفزات الكبيرة التي يسجلها بعض التجار.

ويحذر من استغلال الازمات، قائلا ان مقتضيات الحرب تفرض احيانا ارتفاعا في الاسعار نتيجة زيادة تكلفة النقل او صعوبة الوصول الى بعض المناطق، لكن ذلك لا يعني ان كل التجار يمارسون الاحتكار او التسعير المتفلت، مضيفا ان هناك فرق بين ارتفاع مبرر تفرضه الظروف وبين تجاوزات يجب ضبطها.

كما يشير الى ان توزيع البضائع داخل لبنان بات اكثر تكلفة في بعض المناطق، خصوصا تلك القريبة من خطوط التوتر، حيث يرفض بعض السائقين التوجه اليها او يطلبون بدلات اعلى، مما ينعكس على الاسعار النهائية للمستهلك.

وتبدو الاسواق اللبنانية امام معادلة دقيقة ضغوط عالمية حقيقية ترفع التكلفة، في مقابل تسعير داخلي يتسارع احيانا خارج هذا الاطار، وبينهما يجد المستهلك نفسه امام موجة غلاء مفتوحة قد تتفاقم مع استمرار التوترات، اذ يؤكد بحصلي ان لبنان يمتلك خبرة سابقة في ادارة الازمات، مما يساعد على التكيف مع الظروف الحالية، داعيا الى التعامل بواقعية وهدوء من دون تخزين مفرط، ومشددا في الوقت نفسه على ان الحذر مطلوب لكن بتان وعدل، اذ ان المواد الغذائية لن تنقطع عن الاسواق في المدى المنظور رغم كل التحديات القائمة.