كشفت دراسة حديثة من جامعة هارفارد ان اقل من عشرة بالمئة من الناس يتمتعون بما يسمى الشيخوخة الصحية، ويعني ذلك ان يعيش الشخص حتى عمر السبعين على الاقل دون الاصابة بامراض مزمنة مع التمتع بصحة جسدية وعقلية جيدة.

وعلى مدار ثلاثين عاما تابع الباحثون تاثير النظام الغذائي لاكثر من مئة الف شخص في منتصف العمر على صحتهم، وبينت الدراسة التي نشرت عام 2025 ان 9.3% فقط من المشاركين حققوا شيخوخة صحية، وتميز نظامهم الغذائي بالاعتماد على الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والدهون غير المشبعة والمكسرات والبقوليات ومنتجات الالبان قليلة الدسم.

ورغم ان التغذية الصحية ضرورية في كل المراحل العمرية يحذر الخبراء من عدم ادراك الكثيرين ان نوعية الطعام لا تعطي النتائج نفسها في كل الاعمار، وبينت اختصاصية مكافحة الشيخوخة برينا كونور لمجلة نيوزويك ان الاحتياج للتغذية السليمة يبدا من الطفولة ويتطور مع التقدم في السن.

احتياجات غذائية مختلفة لكل مرحلة عمرية

قالت عالمة التغذية في امبريال كوليدج لندن فيديريكا اماتي ان الكثير من الاطعمة ترتبط فوائدها الغذائية بالمرحلة العمرية، موضحة ان الرضع والاطفال الصغار مثلا يحتاجون الى قدر اكبر من الدهون الموجودة في الحليب كامل الدسم ومنتجات الالبان، بينما لا يعد هذا النمط مناسبا لمن هم في العشرينات والثلاثينات.

تشير فيديريكا الى وجود ادلة قوية على ان التغذية السليمة في الطفولة تنعكس على الصحة في المراحل اللاحقة، فقد بينت دراسة نشرت عام 2023 ان الاطفال الذين تناولوا كميات كافية من الفاكهة والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات والدهون الصحية والمكسرات والبذور مع التقليل من الاطعمة فائقة المعالجة عند سن السابعة يقل احتمال اصابتهم بامراض القلب في سن الرابعة والعشرين.

وتساعد تغذية الطفولة في بناء الجسم ودعم المناعة ونمو الدماغ والعضلات من خلال توفير الحديد واليود والفيتامينات والمعادن، وبينت الدراسات ان فيتامين دي والكالسيوم ضروريان لنمو العظام بشكل طبيعي مما يقلل خطر هشاشة العظام والكسور في الكبر.

اهمية الغذاء في مرحلة المراهقة والعشرينات

تعتبر الاطعمة التي نتناولها في سن المراهقة وبداية العشرينات اساس لصحتنا المستقبلية، وتعتبر هذه المرحلة فرصة لاستكمال بناء العظام والعضلات مع ضغط الدراسة والعمل والتواصل الاجتماعي مما يرفع الاحتياجات الغذائية.

واكدت فيديريكا ان هذه المرحلة فرصة ذهبية لترسيخ عادات تحمي صحة القلب والدماغ لاحقا، مبينة ان كثيرا من عوامل خطر امراض القلب تتشكل خلال هذه المرحلة حتى لو لم تظهر الاعراض الا بعد سنوات.

واضافت ان هناك ادلة متزايدة على ان التغذية في المراهقة قد تؤثر في الصحة النفسية فالانظمة الغنية بالاطعمة فائقة المعالجة والفقيرة بالاغذية النباتية الكاملة ترتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق، واوضحت ان الانماط المشابهة للنظام المتوسطي تبدو اكثر وقاية لغناها بالخضراوات والبقوليات والمكسرات وزيت الزيتون والاسماك مع كميات محدودة من منتجات الالبان والدواجن.

منتصف العمر نافذة نحو الشيخوخة الصحية

قالت استاذة التغذية في جامعة شيفيلد اليزابيث ويليامز انه ينبغي ان نولي نظامنا الغذائي اهتماما خاصا في منتصف العمر للحفاظ على صحتنا في الكبر، مشيرة الى ان هذا ينطبق بشكل خاص على النساء في مرحلة انقطاع الطمث اذ يتسارع فقدان كثافة العظام والكتلة العضلية ويزداد خطر السمنة وامراض القلب والسكري من النوع الثاني.

وبينت فيديريكا اماتي انه مع دخول النساء الاربعينيات والخمسينيات تبرز اولويتان غذائيتان هما صحة القلب وصحة العظام والعضلات، واوصت بتناول احماض اوميغا 3 الدهنية خاصة في الاسماك الدهنية مثل الماكريل والسلمون للحد من خطر امراض القلب، وكذلك زيادة تناول البروتين للحد من فقدان الكتلة العضلية وتقليل الاطعمة فائقة المعالجة مع اتباع نظام غذائي متوسطي لتحسين صحة القلب والاوعية الدموية والتمثيل الغذائي بالاضافة الى صحة الامعاء والصحة النفسية.

مع التقدم في العمر ينخفض استهلاك السعرات الحرارية وامتصاص الفيتامينات واحتياج الجسم للطاقة مما يجعل جودة العناصر الغذائية اهم من كميتها، وبينت اليزابيث ويليامز ان الكالسيوم وفيتامين دي عنصران رئيسيان في هذه المرحلة للحفاظ على قوة العظام.

نصائح للحفاظ على صحة العظام والعضلات بعد الستين

حذرت ويليامز من ان نقص الكالسيوم وفيتامين دي يزيد من خطر هشاشة العظام والكسور، واكدت اختصاصية التغذية بمركز ابحاث الشيخوخة والخرف في جامعة بورنموث جين مورفي اهمية تناول كميات كافية من البروتين عالي الجودة للوقاية من ضمور العضلات في الكبر.

اوصت برينا كونور بالحد من الاطعمة المصنعة مع التقدم في العمر والتركيز على مصادر بروتين جيدة مثل الاسماك الدهنية والدواجن والبقوليات والبيض والمكسرات.

واضافت ان الالياف جزء اساسي من النظام الغذائي في هذه المرحلة لدعم صحة الجهاز الهضمي عبر تغذية البكتيريا النافعة وتقليل الالتهابات وتحسين صحة القلب والاوعية الدموية بخفض الكوليسترول الضار وخفض ضغط الدم والمساعدة في التحكم بالوزن.

توصيات عملية لتغذية كبار السن

ترى اختصاصية طب الشيخوخة في كليفلاند كلينك امي هول ان الحفاظ على التغذية السليمة قد يبدو اصعب مع التقدم في السن لكنه يصبح في الوقت نفسه اكثر اهمية.

واقترحت لضمان تغذية افضل لكبار السن الالتزام بمواعيد منتظمة للوجبات وتجنب اهمالها اذ بينت دراسة نشرت عام 2025 ان كبار السن يميلون الى تاخير الوجبات وتقليل مدتها، وزيادة الالياف عبر الحبوب الكاملة والفواكه والخضراوات النيئة، وكذلك اختيار الدهون الصحية مثل زيت الزيتون والافوكادو والاسماك الدهنية والجوز.

وشددت على تقليل الملح واستخدام الثوم والاعشاب والتوابل لتعزيز النكهة والحد من الاطعمة البيضاء مثل الخبز الابيض والارز والبطاطس، واوصت بالحفاظ على رطوبة الجسم بشرب نحو ستة اكواب من الماء يوميا للوقاية من الجفاف، وبينت اهمية اعطاء اولوية لفيتامينات بي خصوصا B12 لدورها في التمثيل الغذائي وانتاج الطاقة وتعزيز الصحة الادراكية والعصبية والقلبية وزيادة فيتامين دي بالتعرض المعتدل لاشعة الشمس وتناول البيض والتونة المعلبة والاسماك الدهنية.