مع حلول عيد الفطر تجد الكثير من العائلات نفسها امام تحد كبير وهو الرغبة في الاحتفال بعد شهر كامل من الصيام والعبادة في ظل الاخبار المتزايدة عن الحروب والصراعات في المنطقة.
هذا العبء لا يقع على الكبار فقط بل يمتد ليشمل الاطفال الذين يستشعرون التوتر من حولهم بسرعة ويشعرون بالقلق والخوف حتى لو لم يفهموا كل ما يجري.
يميل بعض الاباء الى الاعتقاد بان الاطفال لا يدركون حقيقة ما يحدث لكن الدراسات النفسية تشير الى عكس ذلك فالاطفال قد لا يفهمون السياسة لكنهم يلتقطون المشاعر بذكاء ويلاحظون الصمت المفاجئ عند دخولهم الغرفة وتغير ملامح وجه الاب امام شاشة التلفاز وارتفاع نبرة الصوت اثناء متابعة الاخبار.
الاطفال والاخبار: كيف يتلقون التوتر؟
واظهرت دراسة نشرت في مجلة "كرنت سايكاتري ريبورتس" ان التعرض المتكرر لتغطية اخبار الحروب والكوارث يرتبط بارتفاع مستويات القلق والخوف لدى الاطفال حتى عندما يعيشون بعيدا عن مناطق الصراع وفي البيئات المتاثرة مباشرة بالحرب تتضاعف هذه الاثار مع ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب لدى الاطفال والمراهقين الذين يتابعون مشاهد العنف عبر وسائل الاعلام.
لذلك فان حماية الاطفال نفسيا لا تبدا بالحديث المباشر فقط بل بتنظيم البيئة المنزلية نفسها وتقليل الجرعة اليومية من التوتر والاخبار الصادمة قدر الامكان.
التعامل الحذر مع الاخبار لا يعني اخفاء الحقيقة عن الاطفال بل يعني اختيار "متى" و"كيف" و"كم" من هذه الحقيقة يصل اليهم وتوصي منظمة يونيسف الاباء بوضع اوقات محددة لمتابعة الاخبار وتجنب عرض المقاطع العنيفة ومشاهد الحرب امام الاطفال خصوصا في اوقات يفترض ان تكون مريحة مثل وجبات الطعام او جلسات العائلة.
تنظيم تدفق الاخبار لحماية الاطفال
الهدف ليس عزل الاطفال عن الواقع بل تقديم قدر يناسب اعمارهم وقدرتهم على الفهم فالطفل في سن السابعة مثلا لا يحتاج الى تفاصيل ما يحدث بقدر حاجته الى الشعور بان والديه هادئان ومتماسكان فاحساسه بطمانينة الكبار حوله هو ما يعزز شعوره بالامان حتى لو ظل جزء من الصورة غامضا بالنسبة اليه.
في اجواء الحرب والاخبار الثقيلة تتحول الطقوس البسيطة الى ادوات فعالة لحماية الصحة النفسية فمشاركة الطفل في تنظيف البيت للعيد واختيار ملابسه الجديدة ومساعدته في تشكيل كعك العيد او تزيين ركن صغير من المنزل كل هذه التفاصيل ليست مجرد ترفيه بل رسائل مباشرة بان الحياة مستمرة.
هذه الطقوس تمنح الطفل احساسا بان هناك اشياء ثابتة يمكنه الاعتماد عليها وان العيد يعود كل عام مهما كانت الظروف فذكريات العيد ورائحة الحلويات وضحكات العائلة والاستعداد للصلاة تتحول لاحقا الى "مخزون امان" يعود اليه الطفل في اوقات الخوف وتبني داخله قدرة اكبر على التكيف مع الضغوط.
طقوس العيد: روتين بسيط يعزز الامان
الاحتفال بالعيد في زمن الحرب ليس انكارا للواقع بل شكل من اشكال الوقاية النفسية يساعد الاطفال على تطوير مرونة نفسية تحميهم على المدى البعيد.
ومن الضروري ان يتيح الاهل مساحة للحوار لان الاطفال قد يسمعون اخبارا مقلقة من المدرسة او الانترنت او يلتقطون نصف معلومة تخيفهم اكثر من الحقيقة نفسها فتجاهل اسئلة الطفل او اسكات فضوله لا يزيل خوفه بل يدفعه للبحث عن اجابات في اماكن اخرى.
ومن الافضل الاستماع الى الطفل بهدوء وسؤاله عما سمعه او فهمه ثم شرح ما يحدث بلغة بسيطة تناسب عمره مع طمانته بان الكبار موجودون لحمايته وان هناك من يعمل على اصلاح الاوضاع حتى لو استغرق ذلك وقتا.
مساحة آمنة للاسئلة والمخاوف
وتؤكد مراجعة علمية نشرت في مجلة "علم نفس الطفل والعائلة" الامريكية ان مشاعر القلق والخوف يمكن ان تنتقل من الاباء الى الابناء عبر "التعلم بالملاحظة" فالاطفال يتعلمون كيف يستجيبون للمواقف من خلال مراقبة ردود فعل والديهم واظهرت المراجعة ان تعبيرات الخوف القوية او التوتر المستمر عند الكبار ترفع من مستوى القلق لدى الاطفال حتى لو لم يذكر سبب الخوف امامهم صراحة.
لهذا فان ضبط الاهل لانفعالاتهم امام الابناء والتعبير عن القلق بطريقة هادئة ومتزنة جزء اساسي من حماية الاطفال.
ورغم ثقل الاخبار لا ينبغي ان تختفي بهجة العيد من حياة الاطفال فالعيد بالنسبة لهم مساحة للعب والزيارات العائلية وتلقي "العيدية" والضحك المشترك اكثر منه نقاشات سياسية او تحليلا للاحداث.
المقاومة بالفرح: دور العيد في تخفيف التوتر
يمكن للاسرة ان تستغل هذه المناسبة لتذكير الطفل بان الفرح ما زال ممكنا وان الحب والضحك جزء من الحياة حتى في اصعب الظروف.
فتحضير وجبات بسيطة معا وتنظيم لعبة جماعية داخل المنزل وتخصيص وقت لقراءة قصة قبل النوم والخروج لنزهة قريبة ان امكن او حتى ممارسة العاب حركية في غرفة الجلوس جميعها انشطة تعيد تركيز الطفل على يومه هو لا على نشرات الاخبار.
في زمن الاخبار الثقيلة والصراعات المستمرة يمكن للعيد ان يتحول الى "استراحة نفسية" صغيرة داخل بيت يشعر فيه الاطفال بالامان فتنظيم ما يشاهدونه والحفاظ على طقوس العيد مهما كانت بسيطة وفتح باب الحوار معهم كلها خطوات تجعل الفرح اداة مقاومة للتوتر الجماعي وتساعد الاسرة على تحويل العيد حتى في زمن الحرب الى ذكرى دافئة لا تنسى.
