في غزة، حيث تختلط رائحة الكعك بمرارة الفقد، يستقبل الأطفال العيد بقلوب مثقلة بالذكريات. الطفلة غزل الكباريتي، البالغة من العمر 11 عاما، تستعيد بصوت خافت زمن العائلة والبيت الذي لم يبق منه سوى الأثر، فالعيد عندها لم يكن سوى صوت والدها وضحكات أمها وعيدية أخيها الكبير، ومنزلهم الذي كان مضافة تعج بجلسات العائلة قبل أن تدمره الغارة بمن فيه.

تسترجع الطفلة ذكريات الأعياد السابقة، وتعود لعالمها الذي صارت فيه وحدها، فلا ملابس جديدة هذا العام ولا كعك ولا عادات، وتقول غزل حين نمتلك المال نختار أن نشتري به طعاما حتى نفطر.

تعيش غزل اليوم في كنف جدتها لوالدتها، وهي امرأة مسنة تحمل الجنسية المصرية، تحاول أن تعوضها بما تستطيع، وتقول الجدة ليس لدي ما أقدمه لحفيدتي سوى حضني، اشعر بالعجز.

أيتام غزة.. مسؤولية في عمر الزهور

يأخذ العيد عند أيتام الأبوين شكلا جديدا، يستحضرونه من الذاكرة ومن عادات لم يبق منها شيء، واليتم في غزة لا يأتي دائما في صورة طفل وحيد يبحث عمن يرعاه، بل يأتي أيضا في صورة طفلة تكبر دفعة واحدة، وتستيقظ لتجد نفسها أما لإخوتها.

تماما كما وجدت نيبال حلايسة، البالغة من العمر 17 عاما، نفسها فجأة في موقع لم تختره، فصارت ربة بيت وأما بديلة تحمل عن أمها الراحلة تفاصيل الحياة اليومية، وتبدا نيبال حديثها مع الجزيرة نت قائلة انا يتيمة الاب والام ومع اني اكره هذه الكلمة، لكني اجبرت على قولها.

لم تعد نيبال تنتظر العيد كما كانت تفعل، ولا تفكر بعيدية أو ملابس جديدة، بل كيف تمنح إخوتها الأربعة ما تبقى من شعور العائلة والعادات التي اعتادوها في المناسبات.

نيبال.. أم بديلة في زمن الحرب

تقول نيبال كل شيء كانت تقوم به امي اقوم به انا الان انيمهم واسحرهم واغسل لهم واطهو لهم، وتفتح كيسا حملته بيديها قبل أن تكمل قائلة حتى كسوة العيد الان اشتريتها لهم.

تحمل نيبال مسؤولية بيت صغير، وأخوين صغيرين يحتاجان إلى حضن دافئ، وآخرين كبيرين لهما متطلبات من الرعاية والاهتمام.

ورغم محاولتها الدؤوبة للقيام بالدور الذي صار شاغرا برحيل أمها، فإنها تعجز عن أداء بعض العادات، وتقول لا أجيد طبخ الفسيخ الذي كانت أمي تبدع به ولا المعمول، وتتبسم برضا ثم تضيف سأطلب من جارات الايواء المساعدة.

أرقام مفزعة.. 70 ألف يتيم في غزة

في معهد الامل للايتام بغزة الذي تاسس قبل 77 عاما تغيرت طبيعة العمل بالكامل منذ بدء الحرب، فبعد أن كان يستقبل الأطفال بشكل فردي فرض النزوح واقعا جديدا، حيث اختلط الأيتام بآلاف النازحين، وأصبحت الخدمات موجهة للأسر كاملة.

يقول مدير المعهد نضال جرادة للجزيرة نت إن قرابة 300 يتيم يقيمون مع اسرهم في غرف محدودة المساحة، في بيئة فقدت خصوصيتها مع تكدس النازحين.

ويلفت إلى أن نحو 47 ألف يتيم جديد سجلت اسماؤهم لدى المعهد خلال الحرب، فيما يتراوح العدد الإجمالي للايتام في قطاع غزة بين قديم وجديد ما بين 65 و70 ألف طفل، من بينهم أكثر من 4 آلاف فقدوا والديهم معا وأكثر من 3 آلاف فقدوا أمهاتهم.

العيد.. استدعاء مؤلم للذكريات

وفي حين يفترض أن يكون العيد مساحة فرح للأطفال، يرى جرادة أنه تحول إلى استدعاء مؤلم للذاكرة، إذ يعيد إلى أذهانهم صورة العيد بتفاصيله التي باتت غائبة عن آلاف الأطفال.

وفي هذا السياق، قابلت الجزيرة نت المختصة النفسية صفاء حجازي التي قالت إن أيتام الأبوين أكثر عرضة لمشاعر متناقضة تجعلهم غير قادرين على التمييز بين الفرح والحزن.

وتضيف الطفلة حينما تفقد أبويها معا ينقطع حبل الأمان كله، وتوضح أن كثيرا منهم يعاني كوابيس وفرط يقظة ونوبات غضب وشعورا بالذنب عند محاولة الفرح، إذ يشعر أحدهم بالذنب لمجرد محاولته الفرح.