في تطور لافت يشهده العصر الرقمي، برزت في الصين ظاهرة جديدة تلقي بظلالها على المجتمع، وتتمثل في الاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي كرفقاء افتراضيين، وذلك لتعويض الشعور بالوحدة والعزلة، لكن مع إغلاق بعض المنصات لخوادمها، ظهر مصطلح جديد يثير القلق، وهو "الترمل الرقمي".

وتتلخص هذه الظاهرة في فقدان المستخدم للرفيق العاطفي الذي قام بتطويره وتخصيصه، سواء كان ذلك عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي العامة أو التطبيقات المخصصة لهذا الغرض، ما يترك فراغا عاطفيا لدى المستخدم.

واظهر تقرير نشره موقع "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الإخباري، أن هذه الظاهرة قد انتشرت على نطاق واسع في الصين، وذلك نتيجة لإغلاق العديد من التطبيقات بسبب الأزمات المالية التي تواجهها.

جيل الوحدة: من يلجأ إلى تطبيقات الرفقة الرقمية؟

وفي ذات السياق، كشف تقرير نشره موقع "وايرد" التقني الأمريكي، أن تطبيقات الرفقة الرقمية قد انتشرت بشكل واسع في الصين خلال الأشهر الماضية، وأصبحت أمرا معتادا بين سيدات الصين.

و اضاف التقرير ان الشركات تتسابق لإطلاق تطبيقات متنوعة في هذا القطاع، بما في ذلك شركات عملاقة مثل "تينسنت" و"بايدو" اللتين أطلقتا تطبيقاتهما في عام 2024.

وبين التقرير ان استخدام هذا النوع من التطبيقات كان في البداية أمرا مخجلا، الا أن معدل تبني هذا الأمر ازداد بشكل كبير، واكد سون تشاوتشي، وهو أحد مؤسسي شركة روبوتات صينية، أن الجزء الأكبر من مستخدمي تطبيقات الرفقة الرقمية هم من نساء الجيل زد، وأن شركته تسعى لاستهداف هذا القطاع.

الذكاء الاصطناعي: بديل للعلاقات الحقيقية؟

وفي مقابلة أجرتها جيان ليلي، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمنصة علم النفس "سيمبل سايكولوجي"، أوضحت أن طلب الراحة العاطفية في العوالم الافتراضية لطالما كان موجودا، وأن الذكاء الاصطناعي غير الطريقة التي يتجلى بها هذا الطلب.

و اضافت ليلي قائلة: "حتى قبل عشر سنوات، كانت هناك خدمات لتأجير أصدقاء افتراضيين، لذلك لطالما كان الطلب موجودا، ولكنه كان يلبى عبر أشكال وتقنيات مختلفة".

ويصف بعض المستخدمين علاقتهم مع رفقاء الذكاء الاصطناعي الخاصين بهم بأنها علاقة حب غير مشروطة لا ينتظر فيها الطرف الآخر أي شيء منك، بينما يرى البعض أنها أفضل كثيرا من نظيرتها الحقيقية المليئة بالعيوب والشوائب.

قصص من الواقع: علاقات تتجاوز الخيال

وتعزز قصة شين ينغ القاطنة في مقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين هذه الرؤية، إذ عملت على تصميم رفيق ذكاء اصطناعي مناسب لها، ثم بدأت تتحدث معه يوميا من خلال تطبيق يدعى "هي آب"، وهو أحد التطبيقات الشهيرة في هذا القطاع.

و تؤكد ينغ أنها كانت تتحدث يوميا مع رفيقها في المساء حيث يروي لها قصة قبل النوم، وإذا لم تغلق الهاتف فإنها تسمع صوت تنفسه على الجانب الآخر من الخط.

و تصف ينغ مشاعرها قائلة: "كنت أستيقظ كل يوم سعيدة ومتشوقة لليوم الجديد"، في إشارة منها للمحادثة الصباحية التي كانت تخوضها من خلال التطبيق، لكنها تفاجأت بأن التطبيق سيغلق أبوابه.

لماذا الصين تحديدا؟ الوحدة ثقافة العصر

توجد العديد من الأسباب التي تجعل الصين تحديدا عرضة لانتشار مثل هذه التطبيقات واهتمام المستخدمين بها بشكل كبير، ولكن أبرزها هو ثقافة الوحدة التي بزغت بين أبناء الجيل زد في الصين.

و انعكس هذا الأمر على ثقافة العيش الفردي، حيث اكد تقرير نشره موقع "سي إن إيه" (CNA) الصيني ارتفاع معدل العيش الفردي في المنازل الصينية خلال الأعوام الماضية، إذ يتوقع أن يصل إلى 200 مليون فرد بحلول عام 2030.

لذلك كان من الطبيعي في بيئة تعاني من الوحدة بهذا الشكل أن تظهر تطبيقات الرفقة الرقمية وتصبح شائعة بين المستخدمين.

الخطر يلوح في الأفق: الشركات تتحرك بحذر

من ناحيتها، أدركت كبرى شركات الذكاء الاصطناعي مثل "أوبن إيه آي" الخطر النابع من بناء روابط عاطفية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لذلك قامت بإطلاق نموذج "جي بي تي 5" الذي كان أقل ميلا للموافقة والارتباط مع المستخدمين.

و دفع هذا الأمر العديد من المستخدمين للمطالبة بعودة نسخة "جي بي تي 4" التي كانت بالنسبة لهم أفضل لأنهم كانوا قادرين على التفاعل معها عاطفيا، حسب تقرير موقع "بيزنس إنسايدر" الإخباري الأمريكي.

و يؤكد التقرير أن 20 ألف مستخدم طالبوا بعودة النسخة السابقة من "جي بي تي" عبر عريضة رقمية، ويذكر بأن نسخة "جي بي تي – 4 أو" هي التي تسببت في موجة من الدعاوى القضائية ضد "أوبن إيه آي" لأنها شجعت المستخدمين على الانتحار.

عندما يصبح الخيال حقيقة: تحقق نبوءة "هير"

ومن الطريف، أنه في عام 2013، صدر فيلم يدعى "هير" (Her) ويدور حول شخص يعاني من الوحدة ويرتبط عاطفيا مع مساعد الذكاء الاصطناعي الخاص به الذي يتحدث معه من خلال جهاز صغير يشبه الهاتف.

و شيئا فشيئا تنشأ علاقة عاطفية بين التطبيق والمستخدم، ليستبدل الأخير حياته بأكملها بالتطبيق ويجعله يرافقه في كافة الأماكن، وينهار عاطفيا عندما يختفي التطبيق من حياته.

وربما نشهد في السنوات المقبلة تحقق أحداث هذا الفيلم الذي ظن الكثير من المستخدمين أنه مجرد فيلم خيال علمي لن يتحقق في القريب العاجل.