في مخيم دار السلام جنوب حي الزيتون بمدينة غزة، تتراص الخيام متجاورة، حيث يعيش خالد أبو السعيد، وهو نازح من حي الرمال، بعد أن كان تاجرا يفتح متجره كل صباح، لكنه اليوم يستيقظ على وقع أقدام المارة وأصواتهم المتداخلة، كأن الحياة أصبحت غرفة واحدة بلا باب.
قال أبو السعيد بصوت يعبر عن خيبة أمله: نبحث عن حل لهذه الغمامة التي نعيشها، كنا نظن أن غزة ستتحول إلى جنة بعد الهدنة، ولكن الواقع أثبت أننا مقبلون على ما هو أسوأ، إننا نتطلع إلى الإصلاح وإلى واقع أفضل مما نحن فيه الآن.
واضاف وهو يشير إلى الشادر الذي يفصل بينه وبين الجيران: نحن اليوم نفترش الشوارع، وهذا ليس مخيما، بل هو كشف للستر، حيث لا يملك المرء خصوصية، ولا يستطيع حتى التنفيس عن ذاته بكلمة، فالجميع من حولك، نساء وأطفالا، يسمعونك.
تفاصيل مكشوفة
في الخيمة الصغيرة تتكدس حكايات الأسرة وأسرارها ووجعها اليومي، وبين أن الخصوصية انعدمت تماما، يقارن أبو السعيد بين بيت كان يملك جدرانا تحفظ الهمس وخيمة تسمح لكل شيء بالتسرب: الهواء والمطر والعيون والهموم.
وفي كلماته امتزاج بين الحاجة والمرارة، بين انتظار الإغاثة والخوف من ضياعها، وبين أن مطلبه بسيط في ظاهره وعميق في جوهره: العودة إلى ديارنا، فنحن مستعدون لإنفاق أموالنا وإعادة إعمار بيوتنا والجلوس فيها بدلا من البقاء في الشوارع، ففي البيت تحفظ الخصوصية والكرامة.
وفي مواصي خان يونس، يجلس محمود سلامة، وهو نازح من بيت حانون وأب لثلاثة أطفال، أمام خيمته القماشية التي يقيم فيها منذ أكثر من عام، ورفع بصره إلى السماء كما لو كان يبحث فيها عن جواب، ثم قال: إن أملنا معلق بالله وحده، فهو القادر على إصلاح أحوالنا.
الجدران تحولت إلى آذان
وعن تفاصيل الحياة المكشوفة للجميع، قال سلامة: الندى يسقط علينا داخل الخيام، والأمطار تغرقنا، والحصول على الماء، سواء كان مالحا أو عذبا، رحلة شاقة للغاية.
واضاف للجزيرة نت وهو يشير إلى حبال مشدودة تثبت الشادر: كل تفاصيل حياتنا هنا صعبة ومعقدة، ونسأل الله أن يهونها علينا، لكن ما لا يقال كثيرا هو أن كل حديث بين زوج وزوجته، كل توجيه لطفل، كل لحظة تعب أو مرض، تسمع في الخيمة المجاورة، كأن الجدران اختارت أن تكون أذنا مفتوحة.
واكد محمود أن غياب الخصوصية يزيد من حدة التوتر داخل الأسرة، وبين أنه حين يمرض أحد أطفالي، لا أستطيع حتى أن أواسي زوجتي بكلمة خاصة، لأن الجميع يسمع، حتى الشكوى صارت علنية.
تجريد نفسي
بعيدا عن تفاصيل الخيمة الواحدة، تنظر د. سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة الفلسطينية وخبيرة الطب النفسي والآثار الاجتماعية، إلى الصورة من زاوية أعمق: إن ما نرقبه اليوم في خيام النازحين بقطاع غزة، وتحديدا في مناطق الازدحام كمواصي خان يونس، يتجاوز بمراحل مجرد فقدان السقف المادي، إننا نشهد عملية تجريد نفسي ممنهجة للإنسان من كرامته.
وشرحت مفهوم البيت بوصفه أكثر من بناء اسمنتي: في علم الاجتماع النفسي، نعتبر البيت هو الجلد الثاني للإنسان، هو الحيز الذي يمنحه الشعور بالأمان والقدرة على الانفصال عن العالم الخارجي ليمارس ذاته الحقيقية، وحين يتمزق هذا الجلد ويتحول إلى مجرد قطعة من القماش أو البلاستيك، يصبح الإنسان مكشوفا تماما، ليس أمام تقلبات الطقس فحسب، بل أمام أعين وأسماع الآخرين.
وفي المخيمات المكدسة، تلاشت الحدود بين العام والخاص، كما قالت الأخصائية النفسية للجزيرة نت، مما أفضى إلى حالة من العري الاجتماعي القاسي، فالمرأة في الخيمة مضطرة للبقاء بزيها الكامل وحجابها على مدار 24 ساعة، خوفا من لمحة عابرة أو ثقب في القماش، وهذا يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم وقلق لا ينقطع وحالة تاهب مستمرة بلا لحظة أمان يستنزف النفس قبل الجسد.
شعور بالعجز
أما الرجال، فتشير سماح جبر إلى أنهم فقدوا قدرتهم على ممارسة دورهم كحماة للخصوصية، مما يولد لديهم شعورا بالعجز والمهانة الإنسانية، حيث تسمع أسرار بيوتهم وأحاديثهم الخاصة في الخيمة المجاورة كأنها مشاع للجميع، هذا الانكشاف المستمر يضرب في صميم صورة الذات ويعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة على نحو متوتر.
وحذرت الأخصائية الفلسطينية من الأثر الأعمق على الأطفال: الأطفال في هذه الخيام يحرمون من حق الاختباء ومن براءة النمو بعيدا عن صراعات الكبار وهمومهم، إنهم يشهدون تفاصيل بيولوجية واجتماعية لا تناسب أعمارهم، مما يؤدي إلى بلوغ قسري مشوه يغتال طفولتهم.
واضافت: إن انعدام الخصوصية في الخيام يحول المجتمع إلى كتلة واحدة متوترة، حيث يرتفع منسوب العنف المنزلي والمشاحنات نتيجة الضغط النفسي المتولد من العيش في بيئة لا تمنح المرء لحظة واحدة من الخلوة مع النفس أو ممارسة الحميمية الأسرية بكرامة.
سجون قماشية
واختتمت سماح جبر بتحذير صريح: إننا لا نتحدث هنا عن رفاهية، بل عن أساس من أسس الصحة النفسية السليمة، إن استمرار العيش في هذه السجون القماشية المكشوفة يفتت الهوية الشخصية ويصيب الروح في مقتل، لأن الإنسان من دون خصوصية هو إنسان مجرد من حصانته النفسية وهو ما نعتبره جريمة صامتة ترتكب بحق إنسانية هؤلاء النازحين كل يوم.
بين كشف الستر الذي تحدث عنه أبو السعيد والتجريد النفسي الذي حذرت منه سماح جبر وندى الخيام الذي يغرق محمود، تتجسد حقيقة واحدة: أن الخصوصية ليست رفاهية بل شرط أساسي للكرامة الإنسانية وفي انتظار إعادة الإعمار والعمل والعدالة تظل الخيمة شاهدا على جرح مفتوح لا يراه العالم إلا حين ترفرف أطرافه في مهب الريح.
