في مستهل الأسبوع الثالث من الأزمة الإيرانية، تلوح في الأفق تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها مصر وتركيا وسلطنة عمان، وذلك في ظل الاعتداءات الإيرانية المتزايدة على دول المنطقة والتداعيات الاقتصادية العالمية التي تزيد من حالة عدم الاستقرار.

هذا التحرك الدبلوماسي المحتمل، كشفت عنه تقارير صحفية، ويأتي بعد عرض قدمته القاهرة لطهران لبدء وساطة، ويرى خبراء أن هذه الجهود قد تسفر عن تفاهمات أولية تهدف إلى التهدئة أو منع توسع نطاق الأزمة، وذلك بالنظر إلى ثقل الدول المشاركة في الوساطة وعلاقاتها وشبكة اتصالاتها الواسعة مع مختلف الأطراف، مع التأكيد على الحاجة إلى ضمانات وقبول الأطراف المعنية بهذا المسار، وإلا فإن التصعيد سيستمر لفترة أطول.

واضافت التقارير ان هناك مساعي حثيثة تبذل مع مسؤولين إيرانيين، بالتوازي مع تواصل ممثلي الدول الوسيطة مع الجانب الأميركي، دون التأكد من وجود أي اتصال مباشر مع اي اطراف اخرى.

تحركات إقليمية للوساطة بين إيران ودول المنطقة

واوضحت المصادر ان طهران لم تؤكد هذه الأنباء، وكذلك تركيا وسلطنة عمان اللتان كانتا قد قادتا مفاوضات بين طهران وواشنطن قبل اندلاع الأزمة، لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكد خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان استعداد مصر لبذل كل جهد ممكن للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة، مشدداً على إدانة مصر ورفضها لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق.

وبين الرئيس المصري ان هذا التحرك ياتي مقابل تأكيد من الجانب الايراني على تقديره لجهود مصر والرئيس السيسي في سبيل وقف التصعيد.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الدولية الدكتور طارق فهمي، أن الأطراف الثلاثة المؤهلة للقيام بدور الوساطة في الوقت الراهن لإنهاء الأزمة هي مصر وتركيا وسلطنة عمان.

فرص نجاح الوساطة الثلاثية

ويعتقد رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور، أن الوساطة الثلاثية المحتملة تحمل قدراً من فرص التأثير نظراً لطبيعة الأدوار التي تلعبها الدول الثلاث.

واوضح أبو النور أن مصر تمتلك شبكة علاقات واسعة مع القوى الإقليمية والدولية، بينما تحتفظ تركيا بقنوات اتصال مباشرة مع طهران والغرب في الوقت نفسه، في حين تتمتع سلطنة عمان بسجل طويل في لعب أدوار الوساطة الهادئة بين إيران والولايات المتحدة، لافتاً إلى أن هذا التنوع في قنوات التواصل هو الذي قد يمنح هذه الوساطة قدرة على نقل الرسائل وخلق تفاهمات أولية حتى لو كانت في حدود التهدئة أو منع توسع نطاق الأزمة.

من جهته، اكد المحلل السياسي التركي طه عودة أوغلو وجود فرص لنجاح هذه الدول في قيادة الوساطة، قائلاً إن تركيا لديها علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومع الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يؤهلها لأن تلعب دور الوساطة وتنجح فيه، وكذلك سلطنة عمان التي تلعب دائماً دور الوسيط في المفاوضات الأميركية الإيرانية على مدى السنوات الماضية، ومصر من خلال الثقل والوزن الاستراتيجي لمصر هي الأخرى مؤهلة للعب هذا الدور والقيام بخطوات مهمة.

سيناريوهات التحرك الدبلوماسي

منذ اندلاع الأزمة، كررت مصر وتركيا وسلطنة عمان أهمية وقف الحرب ورفض الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة.

وقال مصدر مصري إن القاهرة لم توقف اتصالاتها بأطراف الأزمة العسكرية الحالية والأطراف ذات الصلة القادرة على معالجة هذه الأزمة، لافتاً إلى أن الاتصالات ما زالت جارية مع إيران رغم المعارك، ومعظم الجهود المصرية تركز على فكرة الوصول إلى مائدة التفاوض وإيقاف التصعيد وعدم توجيه ضربات للدول العربية على أساس أن هذا الأمر سيكون له انعكاسات سلبية على مستقبل العلاقات بين الجانبين.

وبين المصدر ان مصر تحاول القيام بجهود وساطة مخلصة وأمينة لوقف الأزمة في منطقة الشرق الأوسط، وبعدها بأيام جرى اتصال هاتفي بين وزير خارجية مصر ونظيره الإيراني.

وأوضح فهمي أن نجاح أطراف الوساطة يتطلب ضمانات أولية وتقبلاً من الأطراف الأخرى، خصوصاً أن هناك مشكلة تتمثل في التشكك في طبيعة ونوايا الجانب الإيراني تحديداً وأن سلطنة عمان قد تعرضت أراضيها لضربات إيرانية.

ويظل نجاح هذه التحركات بحسب الدكتور محمد محسن أبو النور مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المتصارعة لخفض مستوى المواجهة العسكرية مؤقتاً وفتح المجال أمام مسار سياسي؛ لأن أي وساطة دبلوماسية تحتاج في الأساس إلى بيئة تسمح بالحوار وليس التصعيد.

وحال استمر التصعيد، قد تتحول هذه الجهود الثلاثية إلى مجرد محاولة لإدارة الأزمة وليس حلها، أما إذا ظهرت مؤشرات على رغبة الأطراف في تجنب حرب مفتوحة فقد تفتح هذه الوساطة الباب أمام مسار تفاوضي غير مباشر يهدف إلى احتواء الأزمة وإعادة ضبط قواعد الاشتباك في المنطقة وفق تقديرات أبو النور.

ويرى طه عودة أوغلو أيضاً أن نجاح هذه المساعي يعتمد بشكل كبير على قدرة استيعاب الأطراف لمخاطر هذه الأزمة، لافتاً إلى أن تلك المساعي لن تصل إلى حل نهائي بل هي تحركات لاحتواء الأزمة خصوصاً أن التوتر الأميركي الإيراني صراع مستمر منذ عقود طويلة.