يُعدّ قانون الضمان الاجتماعي من التشريعات المهمة ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي في الدولة، إذ يمثل الإطار القانوني الذي تنظم الدولة من خلاله منظومة الحماية الاجتماعية للعاملين في مختلف القطاعات. ويهدف هذا النظام إلى تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأفراد في مواجهة المخاطر التي قد تعترض حياتهم العملية، كحالات الشيخوخة أو العجز أو إصابات العمل.
ومن هذا المنطلق، فإن توجه الحكومة الأردنية نحو تعديل بعض أحكام هذا القانون يثير نقاشًا واسعًا في الأوساط القانونية والاقتصادية، بل وصل في بعض الأحيان إلى حد الاختلاف في الآراء والاعتراض على بعض جوانب هذه التعديلات، نظرًا لما قد يترتب عليها من آثار مباشرة تمس شريحة واسعة من المواطنين، سواء من المشتركين الحاليين أو المتقاعدين أو أصحاب العمل.
إن فلسفة الضمان الاجتماعي تقوم أساسًا على مبدأ التضامن الاجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة، بحيث يسهم العامل وصاحب العمل والدولة في بناء نظام تأميني يضمن الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي للأفراد. ومن ثم فإن أي تعديل تشريعي يطال هذا النظام يجب أن يقوم على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستدامة المالية للنظام التأميني وبين ضرورة الحفاظ على مستوى مناسب من الحماية الاجتماعية للمواطنين.
ومن زاوية دستورية، فإن مسألة تعديل التشريعات الاجتماعية، وعلى رأسها قانون الضمان الاجتماعي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمبادئ التي كرسها الدستور الأردني، ولا سيما تلك المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين. فالمادة السادسة من الدستور تؤكد أن الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات، الأمر الذي يفرض على المشرع عند تعديل التشريعات الاجتماعية مراعاة مبدأ المساواة والعدالة بين مختلف الفئات.
كما أن المادة (128) من الدستور الأردني تنص على أنه لا يجوز أن تمس القوانين التي تصدر لتنظيم الحقوق والحريات جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسها، وهو ما يفرض على المشرع عند إجراء أي تعديل تشريعي أن يراعي عدم الإخلال بجوهر الحماية الاجتماعية التي يهدف إليها نظام الضمان الاجتماعي.
وفي هذا السياق، استقر الفقه الدستوري على مبدأ مهم يتمثل في حماية الحقوق المكتسبة، والذي يعني أن المراكز القانونية التي نشأت بصورة صحيحة في ظل قانون معين يجب احترامها وعدم المساس بها بأثر رجعي. وقد أكدت المحكمة الدستورية الأردنية في العديد من اجتهاداتها أن التشريع، وإن كان يملك سلطة تنظيم الحقوق، إلا أنه لا يجوز له المساس بالحقوق التي اكتسبها الأفراد بصورة نهائية في ظل تشريع سابق، لما في ذلك من إخلال بمبدأ الاستقرار القانوني.
وانطلاقًا من ذلك، يبرز التساؤل حول مدى مراعاة التعديلات المقترحة لمبدأ حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين والمتقاعدين، إذ إن أي تعديل قد يؤدي إلى تقليص المنافع التأمينية أو تشديد شروط الاستحقاق قد يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمدى توافقه مع المبادئ الدستورية العامة، فضلًا عن انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية على فئات واسعة من المجتمع.
ومع ذلك، فإن الفقه الدستوري يقر في الوقت ذاته بأن للمشرع سلطة تقديرية في تعديل التشريعات القائمة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، شريطة أن يكون هذا التعديل مبررًا بضرورات اقتصادية أو اجتماعية حقيقية، وأن يتم ضمن إطار من العدالة والمساواة، وألا يؤدي إلى المساس بالحقوق المكتسبة أو الإخلال بمبدأ الأمن القانوني.
كما يجب أن يأتي أي إصلاح تشريعي في مجال الضمان الاجتماعي ضمن دراسة شاملة لمختلف طبقات المجتمع، بحيث يطبق على الجميع دون تمييز، وبما يحقق قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية، وبخاصة فيما يتعلق بأصحاب الرواتب التقاعدية المرتفعة التي تصل في بعض الحالات إلى آلاف الدنانير.
فإن الرواتب التقاعدية التي استحقت وقُبضت قبل أي تعديل تشريعي تعد في نظر الفقه والقضاء حقًا مكتسبًا لا يجوز المساس به، إذ تعتبر جزءًا من الذمة المالية للفرد وحقًا من حقوق الملكية التي يحميها القانون. أما المنافع أو الرواتب التي لم تستحق بعد، فإنها لا تدخل بالضرورة ضمن مفهوم الحقوق المكتسبة، الأمر الذي يتيح للمشرع – إذا اقتضت المصلحة العامة – إعادة تنظيمها بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية للنظام التأميني.
وفي ضوء ذلك، فإن نجاح أي تعديل لقانون الضمان الاجتماعي يتوقف على مدى قدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضمان الاستدامة المالية للنظام التأميني من جهة، وصون الحقوق الاجتماعية للمواطنين من جهة أخرى، بما يعزز الثقة العامة في منظومة الضمان الاجتماعي ويكرس دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ دولة القانون والمؤسسات.
المحامي: أحمد وصفي العكايلة.
باحث دكتوراة/القانون الدستوري