في سابقة هي الاولى من نوعها، تتولى سيدة فلسطينية في العقد الرابع من عمرها قيادة بلدية الخليل، المدينة الفلسطينية الاكبر من حيث عدد السكان، والاكثر تعقيدا من الناحية الجيوسياسية بعد القدس، حيث يسيطر الاحتلال على قلبها، بينما تدير السلطة الفلسطينية باقي انحاء المدينة.

الدكتورة اسماء الشرباتي، استاذة التنمية وتطوير القدرات البشرية، خاضت الانتخابات المحلية ضمن قائمة "الوفاء للخليل"، وهو ائتلاف توافقي تراسه القيادي في حركة فتح، تيسير ابو سنينة، وضم اطيافا سياسية وكفاءات مستقلة، ونجح في كسب ثقة الشارع وتشكيل المجلس البلدي.

تولى ابو سنينة رئاسة البلدية لسنوات، حتى اعتقلته سلطات الاحتلال، فوجدت نائبته اسماء الشرباتي نفسها امام مسؤولية تاريخية لاستكمال المسيرة في ظل ظروف بالغة الحساسية.

تحديات القيادة النسائية في مدينة الخليل

لم تكن هذه الرحلة سهلة، بل كانت محفوفة بالمخاطر، اذ تعرضت الشرباتي وزوجها طبيب العيون الدكتور امجد الحموري لتهديدات مباشرة واطلاق نار، وقالت انها مرتبطة بمواقفها في المجلس البلدي.

في حوار خاص، تستعرض اسماء الشرباتي ملامح تجربتها الفريدة في ادارة بلدية الخليل، وتكشف عن التحديات الميدانية والسياسية التي واجهتها، كما توضح الاسباب الكامنة وراء قرارها بعدم الترشح للدورة الانتخابية المقبلة.

واضافت الشرباتي انها تشغل حاليا منصب رئيسة بلدية مدينة الخليل بالنيابة منذ اعتقال قوات الاحتلال رئيس البلدية تيسير ابو سنينة قبل نحو ستة اشهر، وقبل ذلك كانت نائبة للرئيس في الدورة الانتخابية الحالية منذ انتخابات 2022، ضمن قائمة "الوفاء للخليل"، وهي قائمة وحدة وطنية.

العمل العام والتنمية المستدامة

واوضحت الشرباتي انها قبل البلدية، كانت مدربة في مجال التطوير الشخصي ومحاضرة جامعية وحاصلة على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع وماجستير في التنمية والتعاون الدولي.

وبينت انها اجتماعيا، ام لخمسة ابناء وزوجة الاسير الدكتور امجد الحموري، وتنتظر الافراج عنه في القريب العاجل.

واكدت الشرباتي ان موضوع الجمعيات او المؤسسات العامة وخدمة المواطنين جزء من حياتها، وسبق ان اسست مع زملاء اخرين جمعية لتطوير القدرات البشرية، اضافة الى عضويتها في عدة جمعيات.

تجربة البلدية والعمل الاهلي

واشارت الشرباتي الى ان العمل العام بمفهومه البلدي او التنموي كصانعة قرار، بدا مع الدورة الانتخابية عام 2022.

وكشفت الشرباتي ان التجربة مهمة على الصعيد الشخصي وحافلة على عدة اصعدة، خاصة اثناء تشكيل قائمة وحدة وطنية تجمع عدة اطياف سياسية وشخصيات مستقلة.

واظهرت الشرباتي ان هذه اول مرة تكون نائبة للرئيس سيدة ثم رئيسة للبلدية في كبرى مدن فلسطين، وهي تجربة تفتخر بها، وتعتقد انها سوف تؤثر ايجابا على المشاركة النسائية في العمل العام بشكل خاص.

تحديات تواجه رئيس بلدية

وبينت الشرباتي ان التحديات كثيرة منها ان الدعاية لم تكن كبيرة، لكن بصفتها امراة لم تجد ممانعة عامة ظاهرة، وهناك سؤال واجهته كثيرا في عدد من اللقاءات، خاصة مع الوفود الاجنبية، وهو كيف تقبل المجتمع في مدينة محافظة فكرة وجودها في المسؤولية.

واشارت الشرباتي الى انها عندما خاضت تجربة الانتخابات، وجدت اهتماما عاما من المجتمع، وبالذات فئة الشباب ذكورا واناثا، وهذا ايضا لمسته في فترة رئاستها للبلدية، وهناك انفتاح وتقبل عال لوجودها على راس هرم البلدية، سواء من الموظفين او المجتمع او المؤسسات.

واكدت الشرباتي انه على الصعيد الخارجي، اثناء تجربتها على مدى نحو اربع سنوات لم تجد معارضة ظاهرة، او معيقا لعملها، بالعكس جرى التعامل مع الموظفين والمؤسسات الرسمية والدولية بشكل اعتيادي، وحتى العشائر، وهي شريحة مهمة في التواصل بالبلديات، وكان هناك انفتاح وشعور بالمسؤولية لدى كل الاطراف.

معوقات العمل السياسي

واضافت الشرباتي ان هناك معيقات واجهتها، ليس بالضرورة مرتبطة بكونها سيدة، وانما بالنظر للقائمة التي تشارك فيها، اذ تعامل البعض معها من منطلق سياسي نتج عنه تفسير كثير من المواقف والاحداث ببعد سياسي مناف للحقيقة.

وبينت الشرباتي ان من التحديات الاخرى تردد بعض الجهات في التعامل معها في السنة الاولى وحتى وزراء قاطعوا المجلس البلدي، باعتبارها شكلت كتلة وحدة وطنية منافسة لكتلة الحزب الحاكم (فتح)، وحصلت على الاغلبية (8 من 15 مقعدا)، فكان من الصعب على الحزب الحاكم بمؤسساته تقبل وجودها، لكن هذا التردد تراجع لاحقا وخفت وتيرته، مع بقاء مسافة حذرة، لا يمكن تسميتها مقاطعة ولا تعاونا.

واوضحت الشرباتي انه اما في الاشهر الستة الاخيرة ومنذ ترأست البلدية بالانابة، فتعتقد ان التواصل كان يجري بشكل جيد مع مختلف المؤسسات الفلسطينية والدولية.

الضغوطات والتحديات الشخصية

واكدت الشرباتي انها وجدت لخدمة مجتمع، ولكل فرد مطالبه واحتياجاته، واحيانا لا تنام الليل عندما تحدث مشكلة ما وللبلدية علاقة بها.

واشارت الشرباتي الى انها في موقع مثل البلدية، تواجه بعلاقات ومراكز قوة تؤثر ايجابا وسلبا، وخاصة في بعض القرارات المتعلقة بالتوظيف مثلا او التسريح او العقوبات، وقد وصلت ذات مرة الى مرحلة تعرضت فيها وزميل اخر للخطر والتهديد واطلاق النار، الذي طال حتى عيادة زوجها.

وبينت الشرباتي انه في المقابل، وجدت ضغطا مجتمعيا عاليا ورافضا لهذه التصرفات وردة فعل جماهيرية ايجابية متضامنة معها.

تأثير العمل البلدي على الحياة الاجتماعية

واضافت الشرباتي انه في البعد المؤسسي، العلاقة بين الشد والجذب، البلدية تفتح ابوابها لكل الناس سواء كانوا موفين بالتزاماتهم او غير موفين، البلدية تقدم خدمة للجميع وتتعامل مع كل الفئات.

وكشفت الشرباتي ان اي عضو مجلس بلدي او مرشح دخل هذا المعترك يعلم بانه سيفقد جزءا كبيرا من حياته الاجتماعية ووقته واستراحته، لان مسؤولية البلد كبيرة.

واشارت الشرباتي الى ان هناك بعدان للثقل العشائري في الخليل، بعد سلبي ينعكس في حالة من الفلتان الامني وانتشار سلاح العائلات، والبلدية من اكثر الجهات تضررا، خاصة مع تقسيم الخليل وبقاء الاشراف الامني للاحتلال على اجزاء منها.

الوضع العشائري في الخليل

واوضحت الشرباتي انه في السنوات الاخيرة، تزايد استخدام سلاح العائلات في الخلاف والنزاعات، وهذا يشوه صورة المدينة التي هي رمز للشهامة والكرم والنخوة والتعاون، ومن ثم يلحق الضرر بالبلدية وقدرتها على حماية مقدراتها في مناطق لا تخضع للامن الفلسطيني، وتم بالفعل الاعتداء مرات عدة على سيارات الاطفاء وشاحنات جمع النفايات.

وبينت الشرباتي انه في المقابل هناك دور مهم للعائلات تحاول البلدية الاستثمار فيه بالتعاون مع رجالات العشائر لضبط التوازن في المناطق التي لا وجود للسلطة فيها لحماية المقدرات والاستمرار في تقديم الخدمات.

واكدت الشرباتي ان التحديات الكبيرة هذه هي الاخطر، وتكبل ايديها وتولد شعورا بالعجز، ووضع مدينة الخليل يختلف عن بقية المدن الفلسطينية لكون الاستيطان في داخلها، وليس خارجها كما باقي المدن الفلسطينية عدا القدس.

تأثير الاستيطان على المدينة

واشارت الشرباتي الى ان الاستيطان داخل المدينة اضافة الى 27 مستوطنة محيطة بها يشكل تحديا كبيرا للبلدية والسكان على حد سواء، وهذه الحالة تخلق هشاشة وضعفا في التواصل مع بعض المناطق ومحاصرة بعض المواطنين الفلسطينيين من قبل المستوطنات او البؤر الاستيطانية.

وبينت الشرباتي انه من الصعب تعزيز صمود المواطنين في اراضيهم او حماية مقدراتهم وتقديم الخدمات لهم، خاصة مع انتشار البوابات والسواتر والحواجز التي خلفت حالة تهجير قسري من المناطق المغلقة لمناطق اخرى في الخليل.

واضافت الشرباتي ان سحب صلاحيات البلدية في منطقة الحرم الابراهيمي خطوة خطيرة وغير مسبوقة وتشكل خطرا على الحرم وعلى المواطنين، وهي تبذل جهودا كبيرة في توعية الناس ومتابعة هذا الملف.

متابعة ملف الحرم الابراهيمي

واكدت الشرباتي انه هناك تواصل مع المؤسسات الرسمية تمهيدا لرفع الملف لمحكمة العدل الدولية، وهناك اجتماعات تعقد مع مختصين وقانونيين في البلدية بهدف توحيد الجهود باتجاه تدويل المسالة.

واضافت الشرباتي انها لم تلمس شيئا من الحديث عن تعزيز دور المجالس المحلية بديلا عن السلطة، لكن الاحتلال يسعى لتقويض المؤسسة الفلسطينية الحكومية ولن تقبل بان تكون بديلا عن المؤسسة الحكومية، ولا يمكن لاي بلدية ان تاخذ الدور او تكون البديل عن الحكومة، فهي في حالة تكامل.

وبينت الشرباتي ان بلدية الخليل مؤسسة خدماتية تقوم بدورها على اكمل وجه وترفض تقويض صلاحياتها، وفي الوقت نفسه هي متعاونة مع كافة المؤسسات التي يجب ان تتعاون معها في سبيل انجاح مهامها.

دور المرأة الفلسطينية في المؤسسات

واكدت الشرباتي ان ميدانيا المراة موجودة في العمل وفي المؤسسة الرسمية والاحزاب على مختلف المستويات، والمراة لها الخيار في اتخاذ قرارها في حدود طاقتها وهناك من قررن عدم العمل.

واشارت الشرباتي الى انه على مستوى الاحزاب السياسية تمثيلها ما زال بالحد الادنى، وفي البلديات حضورها ضمن نظام الكوتة، وجزء من الاسباب تتعلق بالمراة نفسها وجزء اخر بالمؤسسات والاحزاب.

وكشفت الشرباتي انها عزمت امرها على عدم المشاركة في الانتخابات المحلية المقبلة بالرغم من اهميتها لاثراء التجربة، فوجودها في البلدية عضوة ونائبة للرئيس ثم قائمة باعمال الرئيس شكل لها اضافة نوعية قدمت خلالها مساهمات ايجابية للمجتمع، وحققت جزءا كبيرا من وعودها الانتخابية وان كانت تعمل في ظرف صعب في ادارة الازمة اكثر من ادارة التنمية.

أسباب عدم المشاركة في الانتخابات

واوضحت الشرباتي انها قررت عدم خوض الانتخابات لاسباب عدة، منها الاشتراط على المرشحين التوقيع على تعهدات بالالتزام باتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا لا تقبله، وهذا اشتراط غير منصف وغير عادل، ومن ثم حرم الحزب الحاكم نفسه من وجود منافس حقيقي ينضج التجربة.

واشارت الشرباتي الى ان اعتقال زوجها شكل ضغطا اضافيا عليها بلا شك، فهي لديها اسرة واولاد، وابنتان في الجامعة، ولديها اولاد في المدرسة تحاول الاعتناء بهم.

واضافت الشرباتي ان زوجها انسان ايجابي جدا في وجوده بالبيت، واعتقاله يخلق فراغا كبيرا، واعتقل اكثر من 10 سنوات ونصف فترة زواجها كان معتقلا، واخر مرة اعتقل في الحرب.

رسالة حول تغييب رئيس البلدية

واكدت الشرباتي انه لا بد من الاشارة الى ان تغييب رئيس البلدية الاستاذ تيسير ابو سنينة رسالة من الاحتلال بانه لا مؤسسة فلسطينية محصنة ومنها بلدية الخليل التي هي اكبر هيئة محلية منتخبة في الضفة الغربية وانه لا احد خارج سطوة الاحتلال.

وبينت الشرباتي انه في غياب رئيس البلدية المسؤولية مضاعفة، لكن المؤسسة يجب ان تستمر في تقديم الخدمات والدفاع عن المقدرات حتى اللحظة الاخيرة رغم كل المعيقات الموجودة.

واختتمت الشرباتي قائلة ان هذا التمثيل كان مهما وتجربة ناجحة وفيها تحملت المسؤولية للحظة الاخيرة.