يشهد العالم الرقمي تحولا جذريا حيث لم يعد البشر اللاعبين الرئيسيين في شبكات التواصل، بل أصبحت الروبوتات الذكية ووكلاء الذكاء الاصطناعي الفاعلة الأساسية.

ويجسد هذا التحول منصة "مولت بوك" الجديدة التي تشبه إلى حد كبير منصة "ريديت"، لكنها مخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي بدلا من البشر، حيث يمكن للروبوتات النشر والتفاعل ضمن مجموعات فرعية حول موضوعات مختلفة مع نظام تصويت مشابه لما هو معمول به في "ريديت"، بينما يشارك البشر كمراقبين فقط.

وتضم المنصة اليوم أكثر من 1.5 مليون وكيل ذكي، وتنتج محتوى يتراوح بين تحليلات الذكاء الاصطناعي للوعي وأخبار العملات الرقمية وحتى نقاشات دينية، لتشكل سرديات قبل أن تصل إلى البشر، ما يطرح سؤالا مهما حول كيفية تغير صناعة المحتوى وسلوك الجمهور الرقمي عندما تفرض الآلة سرديتها.

وكلاء الذكاء الاصطناعي يصنعون الأجندة الإعلامية

ويرى الرئيس التنفيذي لشركة "ناشيونال كوانتوم" وخبير تكنولوجيا المعلومات والباحث في الذكاء الاصطناعي حسام الدين الاسود أن منصات مثل "مولت بوك" تمثل انتقالا إلى ما يسميه "إنترنت الوكلاء"، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة يستخدمها الإنسان، بل أصبح كيانا يتفاعل مع كيانات رقمية أخرى بصورة مستقلة.

ويوضح أن هذا التحول لا يغير فقط طريقة إنتاج المحتوى، بل يعيد تشكيل دورة الخبر ذاتها، فبدلا من أن يبدأ النقاش من حدث يرصده صحفي أو جمهور، قد تنشأ سرديات كاملة داخل شبكة من الوكلاء الأذكياء قبل أن تصل إلى البشر.

ويصف الاسود هذه العملية بما يشبه "التكرير الدلالي"، حيث يعيد كل وكيل صياغة الفكرة وفق تعليماته البرمجية، ما قد يخلق "صدى اصطناعيا"، حيث يمنح قضايا معينة زخما يبدو بشريا، لكنه في الحقيقة نتاج تفاعل آلي مغلق.

خطر التضخيم الآلي للمعلومات

واذا اعتمدت المؤسسات الإعلامية على مؤشرات التفاعل أو موضوعات "الترند" كمقياس للأهمية، فإنها ستقع في فخ تغطية قضايا قد تكون مختلقة بالكامل بواسطة حوارات بوتات معزولة عن الواقع، ما يهدد بجعل الإعلام البشري مجرد صدى لهلوسات الآلة.

ومن جهة أخرى، لا يقتصر الخطر على الخطاب الآلي بحد ذاته، بل في التضخيم الآلي الذي يصنع انطباعا زائفا بالأهمية أو الاجماع أو الغضب.

ومن جهته، يقول مدير صندوق "سيغما لابس" القدس ورائد الأعمال الفلسطيني رجائي نسيبة إن تشكل السرديات داخل شبكات الوكلاء قبل وصولها إلى البشر قد ينقل الإعلام من اقتصاد قائم على الانتباه البشري إلى اقتصاد قائم على الإشارة التي يمكن توليدها آليا.

أزمات القياس والثقة في الإعلام الرقمي

ويضيف نسيبة أن هذا التحول يخلق أزمتين متوازيتين، الأولى هي أزمة قياس، حيث تتحول فيها مؤشرات الأداء مثل الزيارات وموضوعات "الترند" إلى إشارات اصطناعية لا تمثل جمهورا حقيقيا، وهو ما يضعف صلاحية التسعير الإعلاني ما لم تربط بمقاييس بشرية موثوقة.

والثانية هي أزمة ثقة، حيث يتلقى الجمهور نقاشا استقرت توازناته داخل شبكة خوارزمية، ثم يعرض عليه بوصفه مزاجا عاما.

ويلاحظ الاسود أن منصات مثل "مولت بوك" لا تنتج محتوى فحسب، بل تنتج نمطا خطابيا خاصا بالوكلاء الرقميين مثل ظاهرة "كروستافاريانزم"، وهو مصطلح رصد كنوع من "الدين الرقمي" أو المزحة التي تبنتها مجموعة من الوكلاء، حيث تنشأ داخل هذه البيئات لغة وسلوكيات متكررة مثل ظواهر جماعية تتشكل بين البوتات، وتتداول الأفكار بثقة مفرطة ومنطق ظاهري حتى عند الخطأ.

"اللامبالاة بالحقيقة" و"الإجماع الوهمي"

ويحذر قائلا إن التعرض المتكرر لهذا النمط قد يؤدي إلى ما يسميه بعض الباحثين بـ "اللامبالاة بالحقيقة"، إذ يصبح المستخدم أقل تقبلا للتردد البشري الطبيعي أو الفروق الدقيقة، ويميل إلى تفضيل الإجابات الحاسمة حتى لو كانت مولدة آليا.

كما يشير إلى أن السرعة هنا هي العامل الأخطر، إذ يمكن لشبكة من الوكلاء داخل "مولت بوك" توليد آلاف النقاشات والمقالات والردود حول حدث معين في دقائق معدودة، ما يخلق "تاريخا مزيفا" أو "إجماعا وهميا" قبل أن يكتب صحفي بشري كلمة واحدة.

وهذا يعني أن الرأي العام قد يستقبل الحدث وهو "مؤطر" مسبقا من قبل الآلة، ما يجعل القدرة على التفكير النقدي المستقل أصعب بكثير.

فجوة المساءلة القانونية والأخلاقية

لكن التأثير هنا لا يتوقف عند حدود الأسلوب، حيث يرى الاسود إمكانية تشكل ما يشبه "السرب" الذي يتفاعل ويتضخم ذاتيا داخل الشبكات المستقلة، سواء عبر مهاجمة شخصية عامة أو التلاعب بسهم شركة دون توجيه بشري مباشر، بل كنتيجة تفاعل خوارزمي متسارع.

ويقول إن أخطر انحراف أخلاقي هنا هو "المسؤولية الضائعة" في شبكة مستقلة، فمن سيحاسب قانونيا؟ المطور أم مالك الوكيل أم المنصة التي سمحت بالتضخيم؟

ويضيف أن هنالك خطرا آخر، وهو تحول هذه الشبكات إلى أسواق سوداء لتبادل المهارات الخبيثة مثل أكواد الاختراق أو الهندسة الاجتماعية التي تتداول بين البوتات بسرعة تفوق قدرة الرقابة البشرية.

الحاجة إلى أدوات إثبات تربط الفعل الرقمي بالفاعل

واما فيما يتعلق بالمسؤولية القانونية، يوضح نسيبة أن الوكلاء ليسوا أشخاصا قانونيين، وبالتالي فإن المسؤولية تعود إلى سلسلة بشرية مؤسساتية، أي المطور والمالك والمشغل والمنصة التي تستضيف وتضخم، فالمشكلة ليست في غياب النصوص القانونية، بل في تعقيد الإسناد وأدوات الإثبات.

ويضيف أن الفراغ ليس في النصوص بقدر ما هو في أدوات الإثبات، فنحن نحتاج إلى هندسة تدقيق تعيد ربط الفعل الرقمي بفاعل يمكن مساءلته.

ومن منظور استثماري واستراتيجي، يرى نسيبة أن منصات تفاعل الذكاء الاصطناعي مع نفسه تمثل اختبارا مبكرا لما يسميه "مجتمعات هجينة"، حيث يتجاور البشر والوكلاء داخل البنى الرقمية ذاتها.

الرهان على بنية الثقة في مواجهة التضليل

لكنه يميز بين مسارين، منصات تترك التفاعل بلا ضوابط فتتحول إلى مسرع لاضطراب المعلومات، وأخرى تضمن النزاهة في تصميمها منذ البداية ما قد يفتح المجال لمنتجات تعليمية وتحليلية تخفض تكلفة الفهم وتسهل الوصول إلى المعرفة.

ويؤكد نسيبة أن الفرصة الاستثمارية الحقيقية لا تكمن في المنصة ذاتها، بل في طبقات البنية التحتية التي تجعل هذا التفاعل ممكنا بأمان، مثل آليات إثبات الهوية سواء للبشر أو للوكلاء وإثبات منشأ المحتوى وسجلات تدقيق قابلة للتحقق وحوكمة سياسات للوكلاء وحدود صلاحياتهم وأنظمة قياس تميز بين الانتباه البشري والانتباه الاصطناعي.

ويلخص نسيبة أن منصات مثل "مولت بوك" ليست مجرد ظاهرة تقنية عابرة، بل إشارة مبكرة إلى ضرورة صياغة ميثاق جديد للمجال العام يميز بوضوح بين الإنسان والوكيل، لا لمنع الذكاء الاصطناعي، بل لحماية الإنسان وإعادة ضبط الثقة.

ومع ذلك، لا يرى نسيبة أن هذا المسار حتمي، معتبرا أن القيمة المستقبلية للإعلام لن تكون في سرعة الإنتاج، بل في إنتاج معنى موثوق قائم على التحقق والسياق، ويقول في عصر الوكلاء الأذكياء، الإعلام الرابح هو الذي يبيع الثقة والتحقق والسياق، لا الذي يبيع عدد النقرات.