بعد مرور نحو اربعة اشهر على اتفاق وقف اطلاق النار الهش في قطاع غزة، بدات الارض تتنفس بحذر، فالصمت الذي خيم على الحقول لم يكن دليلا على التعافي، بل استراحة قصيرة بين دمارين.

ومع ذلك، عاد المزارعون الى اراضيهم التي دمرها الاحتلال بالكامل، لا يحملون الا فؤوسهم اليدوية وذاكرة خضراء ترفض ان تموت، واملا معلقا على لجنة ادارة غزة التي يفترض ان تبدا مهامها نهاية الاسبوع الجاري، لعلها تكون سندا لمن تبقى واقفا في وجه الخراب.

يقف المزارع محمود الغول، وهو في الخامسة والخمسين من عمره، في مدينة غزة متاملا ارضه التي كانت يوما ما بساطا اخضر يفيض بالخضروات، عيناه لا تزالان تبحثان عن ملامح الماضي بين اكوام التراب والرماد المتشابكة بالاعشاب اليابسة.

معاناة المزارعين في غزة

قال بصوت مثقل بالاسئلة اننا اضطررنا لمغادرة اراضينا في اكتوبر تشرين الاول 2023 حين اندلعت الحرب، ونزحنا نحو مناطق الجنوب، كانت هذه الارض منتجة ونعتمد عليها في ماكلنا ومشربنا وحياتنا باكملها فهي مصدر رزقنا الوحيد.

واستعاد محمود لحظة العودة في فبراير شباط 2024، حين وطات قدماه ارضه من جديد، ولكنه لم يجدها كما تركها وانما استحالت خرابا، نتساءل اليوم في 2026، بعد الهدنة وبعد عامين من الحرب كيف سنواصل العيش وماذا يمكننا ان نفعل، فالسؤال لا يحمل اجابة بل يفتح جرحا جديدا في قلب رجل لم يعرف مهنة غير الزراعة منذ ولادته.

واشار محمود في حديثه الى الارض التي تغطيها الاعشاب الكثيفة والسواتر الترابية التي اقامها الاحتلال على مدار عامي الابادة، قائلا لا نملك الاموال الكافية لاستئجار الاليات الثقيلة لاستصلاح الارض ولا نستطيع حتى حراثتها ولجانا لاستخدام ادوات يدوية بسيطة كالمجارف والفؤوس، واضاف بنبرة يختلط فيها العجز بالاصرار نفتقر للمواد والامكانات اللازمة للعمل خاصة بعد كل هذا الانقطاع الطويل.

الامل المفقود

وعبر محمد عن امله في ان تقوم لجنة ادارة غزة بدعم المزارعين ومساندتهم، وقال من المحزن حقا ان تصبح الارض التي كانت كالبستان خرابا، وهنا تتحول الارض من مجرد مصدر رزق الى قضية وجود.

وقصة محمود تمثل صورة عامة لمزارعين عادوا الى اراضيهم بعد الهدنة ليصطدموا بواقع اشد قسوة من النزوح، فالارض التي نجت من القصف لم تنج من التجريف والبنية التحتية الزراعية تحولت الى اطلال، ومع غياب الاليات الحديثة بات العمل الزراعي اقرب الى معركة جسدية يومية.

وفي السياق، لا تبدو الهدنة سوى فرصة هشة لالتقاط الانفاس لا لبداية حقيقية للتعافي، فالمزارعون الذين يشكلون ركيزة اساسية للامن الغذائي في غزة يواجهون اليوم معادلة مستحيلة ارض مدمرة وادوات غائبة واسواق تتحكم فيها الاسعار الجنونية، ورغم ذلك يصرون على العودة لان البديل هو الفقد الكامل للذات وللرزق.

تحديات تواجه القطاع الزراعي

ووسط هذا الخراب الغذائي، تتجه الانظار الى لجنة ادارة غزة المرتقبة التي يعول عليها المزارعون في توفير الحد الادنى من الدعم، فاستصلاح الارض كما يقولون قد يكون ممكنا اذا توفرت الامكانات، لكن تركهم وحدهم يعني تعميق الجرح الزراعي وتحويله الى نزيف دائم.

وفي ارض اخرى بمواصي خان يونس، يحاول المزارع احمد ابو بريكة، وهو في الثانية والاربعين من عمره، اعادة الحياة الى تربة انهكها القصف، ويقول احاول جاهدا اصلاح ما يمكن في هذه الارض، ولكننا لا نملك القدرة على فعل شيء حقيقي لغياب الاليات اللازمة، وكان صوته يعكس تعبا تراكم على مدار اشهر من العمل اليدوي الشاق.

وتحدث احمد عن غياب ابسط المستلزمات، كانت هذه الارض توفر كل احتياجاتنا من الغذاء اما الان فلا بذور متوفرة ولا انابيب ري ولا حتى المبيدات اللازمة لحماية الخضروات، مضيفا ان بحثت في طول البلاد وعرضها فلن تجد المستلزمات الزراعية الاساسية وان وجدت فهي تفوق قدرتنا المادية المعدومة اصلا.

الوضع المأساوي للمزارعين

ويصف احمد يومه الزراعي وكانه سباق مع الانهاك، نجهد انفسنا في العمل اليدوي الشاق وقد كلت ظهورنا من التعب في ظل غياب اي معدات حديثة او مواد مساعدة، ومع ذلك لا يفكر في التراجع الذي يعني له الاستسلام للجوع.

وفي مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يواجه المزارع خليل الحج، وهو في الخمسين من عمره، معركة مختلفة عنوانها الغلاء الفاحش، ويقول من ارضه هناك عندما تحاول اليوم اعادة تاهيل ارضك وزراعتها تصطدم بغلاء غير منطقي في الاسعار، ويحمل التجار مسؤولية هذا الواقع مشيرا الى تحكمهم في السوق بدعوى صعوبات الاستيراد والتنسيق.

ويضرب خليل امثلة صادمة بقوله لفة انابيب الري التي كان سعرها قبل الحرب 50 شيكلا صارت اليوم بالف شيكل، ويتابع الدونم الواحد من الفجل الذي كان يكلف 50 شيكلا اصبح الان الفي شيكل، وثلاثة دونمات من البطاطس قفزت تكلفة بذورها فقط من 200 شيكل الى عشرة الاف شيكل.

خطر انهيار القطاع الزراعي

ويرى خليل ان غياب جهة داعمة للمزارعين يهدد بانهيار شامل للقطاع، فالمزارع هو ركيزة الاقتصاد واذا تعافى القطاع الزراعي ستتوفر فرص العمل ويتحقق الامن الغذائي، لكنه يعود ليصف الواقع المرير حتى الوقود لتشغيل المولدات غير متوفر وارضي تعتمد الان فقط على مياه الامطار منذ شهرين دون اي تدخل من الجهات المختصة.

وهذا الواقع الزراعي المتهالك تدعمه ارقام صادمة تكشف حجم الابادة الزراعية في قطاع غزة، وتشير تقارير رسمية صادرة عن المكتب الاعلامي الحكومي ومنظمة الاغذية والزراعة فاو الى ان ما بين 90% و95% من المساحات الزراعية تعرضت للتدمير وهي نسبة تعني عمليا خروج القطاع الزراعي عن الخدمة.

ووفق هذه التقارير، جرى تجريف نحو 145 كيلومترا مربعا من الاراضي الخصبة مما ادى الى تعطيل سلة غذاء غزة في مناطق بيت حانون وخزاعة والمواصي، حيث يستغرق حسب التقديرات استصلاح هذه الاراضي الملوثة بمخلفات المتفجرات سنوات طويلة ان توفرت الامكانات.

تدمير ممنهج للزراعة

اما البنية التحتية، فقد كانت هدفا مباشرا اذ تم تدمير اكثر من 1100 بئر زراعي و450 الف متر طولي من شبكات الري اضافة الى سحق نحو 12 الفا و500 دفيئة زراعية، وتقدر الخسائر المباشرة لهذا القطاع بنحو 2.2 مليار دولار مما ادى الى ارتفاع جنوني باسعار السلع الاساسية فاق القدرة الشرائية للسكان المحاصرين.

وفي شمال غزة، وتحديدا في منطقة الشيخ رضوان، يروي المزارع يوسف سالم، وهو في الستين من عمره، قصة مختلفة عنوانها الصمود، ويقول لقد تعمد الاحتلال تدمير كل مظاهر الحياة في غزة وركز بشكل ممنهج على القطاع الزراعي حتى الاشجار المثمرة والمعمرة كالزيتون تم اقتلاعها وسرقتها.

واضاف ان الدمار الذي حل بالدفيئات الزراعية كان مخيفا، ومع ذلك فان اعادة زراعة الارض اسهل بكثير من اعادة الاعمار اذا توفرت الارادة والامكانات البسيطة، ويرى في الزراعة فعلا مقاوما لا مجرد مهنة.

اصرار على البقاء

وقال يوسف بثقة لا تخلو من تحد لن ينجح الاحتلال في اقتلاعنا من هذه الارض فنحن متجذرون هنا كما كان اباؤنا واجدادنا، وختم بقصة معاناته رغم ان منزلي مدمر بالكامل فان بناتي انشان مشتلا صغيرا لزراعة البطاطس في محيط المنزل كرسالة صمود وتاكيد على اننا باقون.

من جهته، راى الخبير الزراعي والناطق باسم وزارة الزراعة في غزة، المهندس محمد ابو عودة، ان الحديث عن تعاف حقيقي للقطاع الزراعي في غزة مرتبط عضويا ببدء عملية اعادة الاعمار وفتح المعابر بشكل كامل وغير مشروط، وقال لا يمكن لاي خطة انقاذ زراعية ان تنجح في ظل القيود المفروضة على ادخال المعدات والمواد الاساسية فالتعافي يحتاج بيئة مفتوحة لا حلول جزئية او مؤقتة.

واضاف ان ازالة السواتر الترابية ومخلفات الحرب واعادة تاهيل الابار وشبكات الري وتوفير البذور والاسمدة والمبيدات باسعار مدعومة خطوات ضرورية لكنها ستبقى محدودة الاثر ما لم يبدا اعمار حقيقي وشامل للبنية التحتية.

الزراعة ركيزة أساسية

واوضح نحن نتحدث عن قطاع فقد معظم قدرته الانتاجية واعادة تشغيله تتطلب ادخال اليات ثقيلة ومواد بناء وانظمة ري حديثة ووقود بصورة منتظمة وهذا لن يتحقق دون فتح كامل وغير مشروط للمعابر.

وشدد المهندس ابو عودة على ان الزراعة في غزة ليست قطاعا ثانويا يمكن تاجيله بل هي ركيزة الامن الغذائي ومصدر رزق لعشرات الالاف من الاسر، وقال اذا اعيد اعمار ما دمر وفتحت المعابر بشكل كامل يمكننا خلال فترة زمنية معقولة استعادة جزء كبير من قدرتنا الانتاجية اما في ظل استمرار القيود فسيبقى المزارع يعمل بفاسه في معركة غير متكافئة.