في قلب غزة، وسط ركام الحرب والدمار، تتجلى قصة إصرار وعزيمة، حيث يتكاتف متطوعون لإنقاذ ما تبقى من كنوز ثقافية وتراثية، وتحديدا الكتب القديمة الموجودة في مكتبة المسجد العمري، التي تعد من أقدم وأكبر المكتبات في الأراضي الفلسطينية.
وبعد أن طالت يد الخراب مكتبة المسجد العمري، الواقع في البلدة القديمة بغزة، لم ييأس هؤلاء المتطوعون، بل أطلقوا مبادرة لجمع وترميم الكتب التي نجت من القصف الإسرائيلي، حيث يعتبر هذا المسجد من أقدم وأكبر مساجد القطاع.
اقرأ أيضا :
وبينما يعود تاريخ الجامع إلى القرن الثاني عشر، بعد أن كان كنيسة في ما مضى، تحول جزء كبير منه إلى ركام بفعل الحرب، مما زاد من صعوبة مهمة المتطوعين.
جهود مضنية لإنقاذ الكتب التاريخية
وقالت حنين العمصي، مديرة صندوق للحفاظ على التراث بدعم من المكتبة الوطنية البريطانية، أنها صدمت من حجم الدمار الذي لحق بالمكتبة، مؤكدة أن المشهد كان قاسيا جدا، ورأت أن من واجبها المساعدة في إنقاذ الكتب.
واضافت العمصي أنها أخذت على عاتقها، مع مجموعة من المتطوعين، إطلاق مبادرة لإنقاذ المكتبة، مشيرة إلى أن الجزء الغربي من المكتبة قد احترق عندما قصف الجامع العمري الكبير ثلاث مرات خلال الحرب.
وبينت أن الحرب استمرت عامين بين إسرائيل وحركة حماس إثر هجوم الأخيرة في أكتوبر 2023، موضحة أن المكتبة كانت تضم نحو 20 ألف كتاب لم ينج منها سوى ثلاثة أو أربعة آلاف.
أهمية مكتبة الجامع العمري الكبير
واكدت العمصي أن مكتبة الجامع العمري الكبير تعتبر ثالث أكبر مكتبة في فلسطين بعد مكتبة المسجد الأقصى ومكتبة أحمد باشا الجزار، لافتة إلى أنها مكتبة تاريخية مهمة تضم مجموعة متنوعة من الكتب في الفقه والطب والشريعة والأدب ومختلف التخصصات الأخرى.
وبالنظر إلى تاريخ غزة العريق، والذي يجعل القطاع الفلسطيني كنزا لآثار حضارات متعاقبة، بما فيها الكنعانية والمصرية والفارسية واليونانية، تزداد أهمية الحفاظ على هذا التراث المكتوب.
وحتى أكتوبر الماضي، كانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قد وثقت أضرارا في 114 موقعا منذ اندلاع الحرب، مما يسلط الضوء على حجم التحديات التي تواجهها جهود الحفاظ على التراث في غزة.
تحديات تواجه المتطوعين
وفي ظل الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، والذي تسبب بأزمة إنسانية كارثية ونقص في المواد الغذائية والأساسية، يواجه المتطوعون صعوبات جمة في عملهم، إلا أنهم يواصلون جهودهم بإصرار وعزيمة.
وداخل إحدى غرف المكتبة الحجرية القديمة، تعمل مجموعة من المتطوعات على جمع أوراق وبقايا كتاب أوراقه صفراء، احترقت أجزاء منه، بينما تردد إحداهن أن رائحة عفن وبارود تتصاعد منه.
وفي غرفة مجاورة، تنفض حنين الغبار عن كتاب قديم، مضيفة أن حالة الكتب النادرة والتاريخية يرثى لها بسبب تركها لأكثر من 700 إلى 800 يوم، مؤكدة أنه يمكن رؤية الضرر الهائل وبقايا البارود عليها.
وشددت العمصي على أن جهود حماية التراث الفلسطيني بالغة الأهمية، مبينة أن هذه الكتب تمثل تاريخ المدينة وتشهد على أحداث تاريخية.
وكانت لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة قد أعلنت في تقرير صدر في يونيو الماضي أن الهجمات الإسرائيلية على المدارس والمواقع الدينية والثقافية في غزة ترقى إلى جرائم حرب.
وقالت لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة في تقرير إن إسرائيل دمرت النظام التعليمي في غزة وألحقت أضرارا بأكثر من نصف المواقع الدينية والثقافية في القطاع.
