يشهد ملف تأجيل أقساط القروض في الأردن عودة قوية إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي، في ظل ضغوط معيشية متزايدة تواجهها الأسر مع اقتراب شهر رمضان وعيد الفطر، وتباين واضح بين المقاربة المصرفية القائمة على إدارة المخاطر المالية، والمطالب النيابية والشعبية الداعية إلى إجراءات تخفيفية أوسع دون أعباء إضافية.

 

ويطرح هذا الملف أسئلة جوهرية تتعلق بتوازن دقيق بين حماية الاستقرار المالي للقطاع المصرفي من جهة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية عن المواطنين من جهة أخرى، خصوصًا في ظل واقع اقتصادي يتسم بمحدودية الموارد العامة وارتفاع كلف المعيشة وتزايد الالتزامات المالية على الأسر.

 

موقف القطاع المصرفي وآلية التأجيل المعمول بها

 

أكد مدير عام جمعية البنوك في الأردن، ماهر المحروق، أن البنوك العاملة في المملكة تتيح للمواطنين إمكانية تأجيل قسط أو قسطين من القروض وفق اتفاق مباشر بين العميل والبنك، ضمن أطر تنظيمية محددة ووفق تعليمات صادرة عن البنك المركزي الأردني.

 

وأوضح المحروق في تصريحات لإذاعة عين إف إم أن قرار التأجيل لا يصدر بشكل تلقائي أو جماعي، بل يخضع لتقييم كل بنك على حدة وفق الوضع المالي للمقترض وقدرته الائتمانية والتزاماته القائمة، مؤكدًا أن هذا الإجراء متاح لجميع المقترضين ضمن الشروط المعمول بها في السوق المصرفي الأردني.

 

وأشار إلى أن تأجيل الأقساط لا يعني إسقاط الالتزامات المالية أو إعفاء المقترض من الدين، وإنما يقتصر على إعادة جدولة الدفعات وتمديد مدة القرض، ما يؤدي بطبيعته إلى ترتيب فوائد إضافية تختلف قيمتها وفق نوع القرض وسعر الفائدة المعتمد.

 

وبيّن أن رسوم تأجيل القسط تتراوح عادة بين 10 و12 دينارًا تقريبًا، وهي رسوم إدارية تغطي إجراءات المعالجة المصرفية، مؤكدًا أن الأموال التي يتم إقراضها تعود في الأصل إلى مودعين ومساهمين، ما يجعل أي تأجيل دون كلف مالية ينعكس على حقوق أطراف أخرى داخل المنظومة المصرفية.

آثار التأجيل على المديونية الفردية والاقتصاد

 

لفت المحروق إلى أن تجربة التأجيلات الواسعة خلال جائحة كورونا أظهرت آثارًا مالية تراكمية على المقترضين، حيث أسهمت عمليات التأجيل الجماعي آنذاك في نشوء التزامات مالية إضافية نتيجة تمديد مدد القروض وتراكم الفوائد.

 

وأوضح أن حجم التسهيلات الائتمانية التي جرى تأجيلها للأفراد خلال تلك الفترة تراوح بين 10 و11 مليار دينار، وهو رقم يعكس حجم التدخل الاستثنائي الذي شهده القطاع المصرفي في ظروف اقتصادية غير مسبوقة.

 

وشدد على أنه لا توجد حاليًا مبررات اقتصادية عامة على مستوى الاقتصاد الوطني تبرر تأجيل القروض بشكل شامل دون رسوم أو فوائد، مشيرًا إلى أن أي قرار جماعي من هذا النوع يجب أن يستند إلى ظروف اقتصادية استثنائية تؤثر على قدرة المقترضين بشكل واسع.

 

وأكد أن القطاع المصرفي يوازن بين المرونة في التعامل مع العملاء وبين الحفاظ على الاستقرار المالي، معتبرًا أن التأجيل الفردي وفق تقييم كل حالة يمثل الآلية الأكثر توافقًا مع متطلبات الاستدامة المالية.

تحرك نيابي ومطالب بإجراءات استثنائية

 

في المقابل، كشف رئيس كتلة اتحاد الأحزاب الوسطية الوطنية الإسلامية، زهير الخشمان، عن توجه الكتلة لمخاطبة رئيس الوزراء رسميًا للمطالبة بتأجيل أقساط القروض البنكية ومؤسسات الإقراض دون فرض أي فوائد أو غرامات إضافية.

 

وأوضح أن هذه الخطوة تأتي استجابة لمطالب شعبية متزايدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها شريحة واسعة من الأسر الأردنية، خصوصًا مع ارتفاع النفقات الموسمية المرتبطة بشهر رمضان وعيد الفطر.

 

وبيّن الخشمان أن المذكرة المرفوعة إلى رئيس الوزراء تتضمن مطلبًا واضحًا بتأجيل الأقساط لفترة محددة دون أي أعباء مالية إضافية، معتبرًا أن أي تأجيل يرافقه عبء مالي يفقد القرار أثره الاجتماعي ويزيد من الضغوط بدل معالجتها.

 

وأشار إلى أن الكتلة باشرت خطوات إجرائية على أرض الواقع، من بينها توجيه كتاب رسمي لفتح نقاش حكومي حول الملف، إضافة إلى العمل على إعداد مذكرة نيابية موسعة تهدف إلى حشد تأييد برلماني واسع.

 

وأكد أن الملف سيُطرح أيضًا للنقاش تحت قبة مجلس النواب الأردني لضمان مناقشته بشكل رسمي وعلني، بما يعزز فرص الوصول إلى صيغة توافقية تراعي مصلحة المواطنين وتحافظ في الوقت ذاته على الاستقرار المالي.

 

معادلة التوازن بين الاستقرار المالي والبعد الاجتماعي

 

يرى مراقبون أن جوهر الخلاف بين المقاربة المصرفية والمطلب النيابي يتمثل في كيفية توزيع كلفة التأجيل، إذ يركز القطاع المصرفي على مبدأ تحمل المقترض كلفة إعادة الجدولة، بينما يطالب النواب بتدخل حكومي أو تنظيمي لتخفيف الأعباء دون تحميل المواطن كلفًا إضافية.

 

وأكد الخشمان أن الهدف الأساسي من المقترح هو التخفيف من الضغوط المالية دون خلق التزامات جديدة، مشيرًا إلى أن الكتلة ستطلب لقاء مباشرًا مع رئيس الوزراء لبحث تفاصيل المبادرة مع الجهات المختصة.

 

ووصف الخشمان رئيس الوزراء بالشخصية العقلانية التي تدرك حجم الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المواطنون، متوقعًا صدور قرارات تصب في الصالح العام خلال الفترة المقبلة، رغم عدم وضوح شكل هذه القرارات حتى الآن.

قراءة الواقع المالي للدولة وحدود التدخل الحكومي

 

قدم الخشمان قراءة للواقع المالي للدولة، مشيرًا إلى أن الموازنة العامة تعمل ضمن هامش مالي محدود، إذ تعتمد بنحو 85 بالمئة على الإيرادات الضريبية، فيما تذهب قرابة 90 بالمئة من هذه الإيرادات لتغطية الرواتب والنفقات الجارية.

 

وأوضح أن هذا الواقع يجعل الموازنة ذات طابع استهلاكي أكثر من كونها إنتاجية، ما يحد من قدرة الحكومة على تبني قرارات مالية واسعة النطاق دون دراسة آثارها على الاستقرار المالي.

 

وأضاف أن النقاش حول أي إجراء اقتصادي يجب أن ينطلق من فهم دقيق لقدرات الدولة المالية، مؤكدًا ضرورة البحث عن حلول متوازنة تراعي الواقع الاقتصادي ولا تتجاوز الإمكانيات المتاحة.

 

وشدد على أن الدور النيابي يفرض نقل مطالب المواطنين والدفاع عن مصالحهم، مع ضرورة الحفاظ في الوقت ذاته على استدامة المالية العامة وعدم الإضرار بالتوازن الاقتصادي.

 

سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة

 

تشير المعطيات إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة للتعامل مع ملف تأجيل الأقساط في المرحلة المقبلة. يتمثل السيناريو الأول في استمرار العمل بالآلية الحالية القائمة على التأجيل الفردي وفق تقييم البنوك، مع بقاء الرسوم والفوائد المرتبطة بإعادة الجدولة.

 

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تبني صيغة توافقية بين الحكومة والقطاع المصرفي تسمح بتأجيل محدود بشروط مخففة أو رسوم أقل خلال فترة زمنية محددة مرتبطة بالمواسم المالية الضاغطة على الأسر.

 

في حين يقوم السيناريو الثالث على تدخل تنظيمي أوسع يحدد إطارًا عامًا لتأجيل الأقساط بشروط موحدة، وهو خيار يتطلب توافقًا دقيقًا بين متطلبات الاستقرار المالي والاعتبارات الاجتماعية.

 

أبعاد اقتصادية واجتماعية أعمق

 

يتجاوز النقاش حول تأجيل الأقساط الجانب الإجرائي ليعكس تحديات اقتصادية أعمق مرتبطة بمستوى المديونية الفردية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع كلف المعيشة، والضغوط الموسمية على إنفاق الأسر.

 

كما يعكس النقاش طبيعة العلاقة التفاعلية بين السياسات المالية والاجتماعية، حيث يصبح القطاع المصرفي طرفًا في معادلة الاستقرار الاجتماعي، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية تحقيق التوازن بين حماية الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

 

ويؤكد خبراء أن أي قرار في هذا الملف يحمل انعكاسات مباشرة على الثقة في النظام المالي، ومستوى السيولة في السوق، واستقرار الاستهلاك المحلي، ما يجعله ملفًا اقتصاديًا بامتياز يتداخل فيه الاجتماعي بالمالي والتنظيمي.

 

التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات المجتمع

 

يبقى ملف تأجيل أقساط القروض اختبارًا حقيقيًا لقدرة صانع القرار على إدارة التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات المجتمع، في لحظة اقتصادية تتسم بالحساسية والتعقيد.

 

وفي ظل استمرار النقاش بين القطاع المصرفي والمؤسسة التشريعية، تتجه الأنظار إلى المخرجات الحكومية المرتقبة، التي ستحدد شكل المعادلة النهائية بين تخفيف الأعباء المعيشية والحفاظ على استدامة المنظومة المالية.

 

المؤكد أن أي قرار في هذا الملف لن يكون مجرد إجراء مصرفي تقني، بل خطوة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية واسعة، تعكس طبيعة المرحلة وتحدياتها، وتحدد مسار العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع في الفترة المقبلة.