في قلب وادي السيليكون، وتحديدا في مدينة سان فرانسيسكو، تشهد الساحة اليوم ميلاد ثورة لا تهدف إلى صناعة آلات معدنية براقة فحسب، بل تسعى إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير، وهو "خلق الوعي الفيزيائي للآلة".

شركة "فيزيكال إنتليجنس" (Physical Intelligence)، المعروفة اختصارا بـ "باي" (Pi)، ليست مجرد شركة ناشئة عادية، بل هي المحاولة الأكثر طموحا حتى الآن لكسر ما يصفه الخبراء بـ "لعنة الروبوتات" التي جعلتها حبيسة المهام المتكررة والمبرمجة مسبقا لعقود.

تأسست الشركة على يد نخبة من العقول التي ساهمت في تشكيل المشهد الحديث للذكاء الاصطناعي في شركات كبرى مثل "غوغل ديب مايند" (Google DeepMind) وجامعات مرموقة مثل ستانفورد وبيركلي.

فيزيكال انتليجنس ونظام باي زيرو

ويقود الشركة كارول هاوسمان، المدير التنفيذي السابق لقطاع الروبوتات في "غوغل"، وسيرغي ليفين، الذي ينسب إليه الفضل في تعليم الروبوتات كيف تتعلم من تلقاء نفسها.

هذا التجمع الأكاديمي والتقني الفريد استقطب استثمارات ضخمة من كبار المستثمرين، حيث ساهم كل من مؤسس شركة "أمازون" (Amazon) جيف بيزوس، وشركة "أوبن إيه آي" (OpenAI)، وصندوق "كابيتال جي" (CapitalG) التابع لشركة "ألفابت" (Alphabet) في ضخ أكثر من 1.1 مليار دولار، لترتفع قيمة الشركة السوقية إلى 5.6 مليار دولار.

تتمحور فلسفة الشركة حول فكرة بسيطة ولكنها ثورية، وهي أن الجسد لا يهم، فالعقل هو كل شيء، فبدلا من بناء روبوت خاص لكل مهمة، طورت الشركة نظام "باي زيرو" (π0)، وهو أول "نموذج أساسي" شامل للروبوتات.

الروبوتات والذكاء الاصطناعي

وأوضحت الشركة أن هذا النظام لا يعتمد على شيفرات برمجية صلبة، بل هو نظام ذكاء اصطناعي "بصري-لغوي-حركي" (VLA) يعمل من خلال الفهم اللغوي والإدراك البصري والتنفيذ الحركي.

وبينت الشركة أنه يمكنك أن تقول للروبوت بصوتك "من فضلك، اجمع الملابس المتسخة وضعها في الغسالة"، وسيفهم القصد تماما كما يفهم "شات جي بي تي" أسئلتك.

كما أضافت أن النظام يحلل الصور من كاميرات الروبوت ليعرف الفرق بين القميص القطني والكوب الزجاجي، ويرسل أوامر دقيقة للمحركات بمعدل 50 مرة في الثانية، مما يسمح للروبوت بلمس الأشياء بنعومة وتعديل حركته فورا إذا انزلق الشيء من يده.

تطوير الذكاء الاصطناعي

بينما يتفوق الذكاء الاصطناعي التقليدي في معالجة النصوص والصور، فإنه يفشل غالبا في فهم الفيزياء، وقد قامت شركة "باي" بحل هذه المعضلة من خلال تدريب نماذجها على بيانات ضخمة مستمدة من 8 أنواع مختلفة من الروبوتات ومن ملايين الفيديوهات البشرية.

وأشارت الشركة إلى أن النتيجة هي روبوتات تمتلك حسا فيزيائيا، فهي تدرك أن الجاذبية ستسقط البيضة إذا لم تمسكها جيدا، وأن القماش مادة مرنة تتطلب أسلوبا خاصا في الطي، وبذلك استطاعت الشركة أن تثبت نجاح نظامها في مهام كانت تعتبر مستحيلة للروبوتات التقليدية.

لا تخطط "فيزيكال إنتليجنس" لبيع روبوتات منزلية، بل تريد أن تبيع العقل لشركات تصنيع الروبوتات الأخرى، فتخيل أن تشتري ذراعا آلية رخيصة من الصين، ثم تقوم بتنصيب نظام "باي زيرو" (π0) عليها لتصبح فورا قادرة على الطبخ أو التنظيف.

وأكدت الشركة أن هذا التوجه يقلل من تكلفة الابتكار في مجال الروبوتات بشكل هائل، فالمصنعون سيوفرون مليارات الدولارات التي كانت تنفق على برمجة الذكاء الاصطناعي، وسيركزون فقط على جودة الأجهزة.

ورغم النجاحات المبهرة، لا تزال هناك عقبات، فالروبوتات لا تزال ترتكب أخطاء مضحكة أحيانا، كما أن تكلفة تشغيل هذه النماذج الضخمة تتطلب قدرات حوسبة هائلة.

ومع ذلك، أصبحت "باي" هي المعيار الذهبي في الصناعة، وبدأت بالفعل في طرح نسخة "باي زيرو فاست" (π0-FAST) التي تتميز بسرعة استجابة فائقة وتكلفة تشغيل أقل.

وبذلك يرى المراقبون أن شركة "فيزيكال إنتليجنس" لا تبني آلات، بل تبني النسيج العصبي الذي سيربط العالم الرقمي بالعالم المادي، وإذا نجحت هذه الشركة في مسعاها، فإن العالم على أعتاب عصر لن يعود فيه بحاجة لتعلم كيف تبرمج الروبوتات، بل سيكتفي بإخباره بما يريد، وسيتولى هو فهم قوانين الفيزياء لتحقيق ذلك.