في قلب بيروت، حيث يزدحم مركز ايواء بالنازحين، يظهر بصيص امل يتمثل في غرفة مزينة بالوان هادئة، انها "مدرسة اللعازارية"، التي تسعى لتقديم التعليم للاطفال النازحين، وسط ظروف صعبة وتحديات جمة.

داخل مبنى اللعازارية الذي تحول الى مركز للايواء، افتتحت مدرسة اللعازارية، كما يحلو لمدير المركز احمد صوفان تسميتها، وذلك في محاولة لاعادة شيء من الروتين اليومي الى حياة التلاميذ، الذين اضطرتهم الظروف الى ترك منازلهم ومدارسهم.

المدرسة عبارة عن صف واحد متواضع، لكنه يحمل في طياته املا كبيرا، فبينما تستمر تفاصيل النزوح الثقيلة خارج جدرانها، تحاول هذه المساحة الصغيرة ان تكون استراحة مؤقتة ومتنفسا للاطفال.

إصرار على التعليم رغم النزوح

قال صوفان انهم افتتحوا هذه المدرسة للمرة الثانية، ففي الحرب الماضية مروا بالفكرة نفسها وكانت مجدية، واضاف ان الهدف الاول والاخير منها هو ضمان حق الاولاد في التعليم، موضحا ان هذه المبادرة ستستمر حتى عودة التلاميذ الى بيوتهم ومدارسهم الاساسية.

من جهتها، لفتت المسؤولة عن المدرسة المعلمة النازحة ردينا دندش الى ان افتتاح هذا الصف يمثل تحديا كبيرا، قائلة انهم يحاولون مساعدة الاولاد على التاقلم مع اوضاع النزوح عبر تعزيز روح التعاون والتضامن والمساعدة، فضلا عن اعطاء حيز كبير للشق النفسي المتعب لدى التلاميذ.

غالبية التلاميذ النازحين هم في الصفوف الخمسة الاولى، وقد جمع القائمون على المبادرة صفوف الروضات في صف واحد، بينما ستبدا الدراسة في الصفوف الاول والثاني والثالث بعد العيد في برنامج منظم يضمن عدم ضياع سنة دراسية عليهم، كما بينت المعلمة ردينة دندش.

ترحيب الأهالي وجهود مستمرة

لاقت هذه الخطوة ترحيبا بين اهالي الاولاد النازحين ايضا، اذ اشادت فاطمة حمية النازحة من منطقة المريجة بما يحصل في المركز، وقالت ان اولادها الثلاثة باتوا يقضون الوقت في هذه المدرسة الصغيرة، وان الدوامات التي تنتظم اكثر يوما بعد يوم تجبرهم على الاستيقاظ باكرا.

بعد ايام من اندلاع الحرب في لبنان، وضعت وزارة التربية والتعليم العالي خطة على مرحلة اولى تنتهي بعد الاسبوع الاول من نيسان المقبل تزامنا مع انتهاء عطلة عيد الفصح، وتتضمن هذه الخطة عدة قرارات ومذكرات.

ابرزها قرار يقضي بترك الحرية لمديري المدارس الخاصة بالتشاور مع اهالي التلاميذ، لتقدير ما ان كانت المنطقة التي تقع فيها المدرسة امنة، ومن ثم اخذ قرار الية التعليم المعتمدة اكان حضوريا او عن بعد، اما في ما يخص القطاع العام فقد ابقت الوزارة على المدارس مقفلة واعتمدت التعليم عن بعد حصرا.

صعوبات التعلم عن بعد

وسط هذا الواقع، وجد التلاميذ والمعلمون النازحون انفسهم امام خيار التعلم عن بعد، وهو امر صعب المنال خصوصا لمن يوجد داخل مراكز الايواء، بسبب ضعف الامكانيات اللوجستية وعدم توفرها كالانترنت، فضلا عن ان معظم الاولاد لا يملكون الاجهزة الالكترونية اللازمة للتعلم.

هذه الحالة ولدت جدلا واسعا في الراي العام اللبناني، اذ يعتبر البعض انه كان على الوزارة اعتماد الية واحدة للتعليم بكل انحاء لبنان لضمان مبدا المساواة بين التلاميذ اللبنانيين، بينما يرى اخرون ان التعليم يجب ان يستمر باحسن طريقة ممكنة للتلاميذ في المناطق البعيدة كليا عن الاماكن المعرضة للقصف.

تستقبل العاصمة بيروت عددا كبيرا من النازحين موزعين على اكثر من 60 مركزا، ويعد مركز اللعازارية من اكثر المباني استقبالا للنازحين، اذ ياوي نحو 1000 نازح.

أزمة إنسانية متفاقمة

يعد هذا المركز اساسا منشاة تجارية تضم عشرات المتاجر ولا يزال بعضها مفتوحا، وبعضها اقفل بسبب الازمة الاقتصادية التي تفاقمت في عام 2020، فضلا عن انه يضم عددا من المقار الرسمية ابرزها وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة البيئة، وكان قد افتتح في الحرب الماضية التي توسعت نهاية ايلول 2024 ووصلت قدرته الاستيعابية انذاك الى نحو 2500 نازح.

تتفاقم الازمة الانسانية في لبنان بشكل متسارع، اذ اعلنت منظمة الامم المتحدة للطفولة (يونيسيف) ان نحو 700 الف فروا قسرا من منازلهم جراء القصف الاسرائيلي، مشيرة الى ان من بين النازحين نحو 200 الف طفل ومراهق يعيشون ظروفا قاسية.

رغم تاكيد وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد ان الوزارة تعمل على توفير متطلبات الايواء للنازحين، فانها لم تتمكن بعد من الوصول الى جميع المتضررين، بسبب الاكتظاظ على الطرقات الذي يعرقل الوصول الى مراكز الايواء ويزيد من صعوبة تقديم المساعدات.

جهود مضاعفة لتغطية الاحتياجات

كشفت ان وزارتها نجحت حتى الان في تلبية احتياجات نحو 70% من النازحين، لكنها اكدت ان الموقف لا يزال يتطلب جهودا مضاعفة لتغطية كافة الحالات، خاصة في ظل استمرار تدفق النازحين من المناطق الجنوبية المتضررة.

وفقا للتقرير اليومي الصادر عن وحدة ادارة مخاطر الكوارث في القصر الحكومي في 17 اذار الجاري، فقد ارتفع عدد مراكز الايواء المفتوحة الى 631 مركزا، تضم اكثر من 133 الف نازح، يمثلون نحو 33 الف عائلة.

كما يشير التقرير الى تزايد الخسائر البشرية منذ استئناف القصف الاسرائيلي على لبنان مطلع الشهر الحالي، الذي خلف 912 قتيلا و2221 مصابا، بينهم عشرات الاطفال والنساء.