لم تكد تهدأ ارتدادات التنافس الداخلي التي أفضت إلى فوز النائب إبراهيم الطراونة، حتى تلقى مسار كتلة "مبادرة" ضربة موجعة تمثلت باستقالة النائبين أحمد الهميسات ومحمد البستنجي؛ خطوة أعادت تسليط الضوء على هشاشة التحالفات النيابية وتحديات الممارسة الجماعية في أروقة المجلس.
تضع هذه الواقعة العمل البرلماني المنظم أمام تساؤلات ملحة. تأمل في تجربة بناء كتل تقوم على برامج وتنسيق مشترك، ثم تنهار تفاهماتها فجأة عند أول احتكاك انتخابي داخلي. المسألة هنا تتعدى مجرد الخلاف على تمثيل أو موقع، لتلامس جوهر الانضباط السياسي حين تفرز الصناديق نتائج لا توافق رغبات بعض الأطراف.
إن خروج نائبين بوزن الهميسات والبستنجي من صفوف "مبادرة" بالتزامن مع فوز الطراونة ليس حدثاً إجرائياً عابراً، بل إشارة واضحة لصعوبة إدارة التباينات الداخلية تحت قبة المجلس. والسؤال المطروح هنا: هل تأسست الكتل بناءً على مشاريع عمل متماسكة، أم أنها مجرد صيغ ظرفية اقتضتها حسابات البدايات والتموضع؟
كان المأمول أن يشكل انتخاب الطراونة ركيزة لتثبيت حضور الكتلة، لا سبباً في تراجع صفوفها وخروج أعضائها. وهنا يبرز الإشكال المزمن في الممارسة البرلمانية: سهولة ولادة الكتل النيابية وسرعة انحلالها بمجرد تعارض الطموحات الخاصة مع النتائج، مما يحيل العمل الجماعي إلى ترتيبات مرحلية تنتهي فاعليتها بانتهاء جولة التنافس.
إن النضج البرلماني في جوهر المسألة يتجلى في احترام قواعد العمل المشترك والقبول الحر بنتائج التصويت الداخلي؛ فالانسحاب رداً على مخرجات الصندوق يعيد الممارسة النيابية إلى مربع العمل الفردي، ويترك الكتلة أمام استحقاق حقيقي لترتيب بيتها الداخلي، قبل أن تطلب من الشارع الثقة ببرامجها وفاعلية أدائها تحت القبة.
تحت قبة البرلمان.. استقالات "مبادرة" تفتح ملف التماسك النيابي ومخرجات الصناديق
