بقلم: مريم بسام بني بكار القادري
مشاهد تختصر تاريخًا، وتختزل هيبة دولة، وتبقى راسخة في الوجدان مهما تعاقبت السنوات. وفي الأردن، يظل الموكب الأحمر واحدًا من أكثر المشاهد الملكية مهابةً وتميّزًا؛ إذ تتعانق فيه عراقة التقاليد الهاشمية مع أصالة الجندية الأردنية، وتتجلى فيه صورة وطنٍ يعرف قيمة تاريخه، ويحفظ رموزه، ويعتز بمؤسساته. إنه ليس مجرد موكبٍ يعبر شوارع العاصمة، بل تقليد ملكي عريق يحمل دلالات السيادة والهوية والانتماء.
وتبلغ هذه الصورة ذروة حضورها حين يتوجّه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى مجلس الأمة لافتتاح دورته العادية وإلقاء خطاب العرش السامي. هناك، تتجاوز المراسم حدود الاحتفاء، لتصبح مشهدًا وطنيًا مهيبًا تتلاقى فيه رمزية العرش الهاشمي مع مكانة المؤسسة التشريعية، ويتقدّم فيه الموكب الأحمر بوقاره المعروف، محاطًا بدقة التنظيم وروعة التناغم العسكري. وحين يصل جلالة الملك، وتعزف موسيقات القوات المسلحة السلام الملكي، ثم يستعرض جلالته حرس الشرف، تتجسد أمام الأردنيين صورة دولةٍ تعتز بتقاليدها، وتحترم مؤسساتها، وتصون هيبتها.
وفي هذا المشهد، لا تكون التفاصيل عابرة؛ فلكل حركة دقتها، ولكل خطوة إيقاعها، ولكل عنصر من عناصر المراسم دوره في اكتمال الصورة. تتحرك المركبات الحمراء بتناغم، وتواكبها الدراجات وفق التشكيل المقرر، فيما يؤدي رجال الحرس الملكي واجباتهم بثباتٍ وانضباطٍ واحترافية. إن ما يراه الجمهور في دقائق معدودة هو حصيلة تدريبٍ متواصل، وإعدادٍ دقيق، ومهارةٍ لا تتحقق إلا بالالتزام والعمل الجماعي. وهنا تتجلى البراعة العسكرية في أبهى صورها: أن تجتمع الدقة مع الرشاقة، والصرامة مع الاتزان، والهيبة مع الإتقان.
أما حرس الشرف، فيقف في المشهد عنوانًا للانضباط العسكري ووقار الجندية الأردنية؛ صفوفٌ منتظمة، وخطواتٌ محسوبة، وأداءٌ يعكس مستوى التأهيل والالتزام. ليست المسألة استقامة صفوفٍ أو دقة حركةٍ فحسب، بل ثقافة مؤسسة تعرف أن تمثيل الدولة مسؤولية، وأن المراسم الملكية واجهة وطنية تستحق أعلى درجات العناية والاحتراف. فالجندية الحقيقية لا تحتاج إلى المبالغة في وصفها؛ يكفيها أن يتحدث أداؤها، وأن تكشف دقتها عن مقدار ما وراءها من إعدادٍ ومسؤولية.
وللموكب الأحمر حكاية تتجاوز مشهده الآسر؛ فهو تقليد ملكي ممتد منذ بدايات تأسيس الدولة الأردنية، تطوّر عبر الزمن، واحتفظ بمكانته في المناسبات الوطنية والملكية. وقد ارتبط لونه الأحمر براية الهاشميين، ليصبح حضوره جزءًا من الذاكرة البصرية الأردنية، ورمزًا يجمع بين الإرث التاريخي وخصوصية المراسم الملكية. وفي هذا الاستمرار دلالة عميقة: فالدولة الواثقة لا تتخلى عن تقاليدها، بل تصونها وتمنحها الحياة عبر مؤسساتها ورجالها.
ويكتسب 'اسود البلاط" الحرس الملكي مكانتهم من ارتباطهم بمسؤوليات رفيعة، ومن انتمائهم إلى منظومة القوات المسلحة الأردنية التي شكّلت على امتداد تاريخ المملكة إحدى ركائز أمنها واستقرارها. فهذه المؤسسة لا تستمد قيمتها من المظهر وحده، بل من الاحتراف، والجاهزية، واحترام الواجب، والقدرة على أداء المسؤوليات وفق أعلى معايير الانضباط. وحين يقترن هذا الأداء بإرث الدولة الهاشمية، تصبح التقاليد العسكرية أكثر من مشهدٍ احتفالي؛ تصبح جزءًا من هوية وطنية راسخة.
إن الموكب الأحمر يأسر الأنظار، لكن الرجال الذين يصنعون تناغمه هم جوهر الحكاية؛ بمهارتهم، وثباتهم، ودقتهم، وقدرتهم على تحويل التدريب إلى أداء متقن. والحرس الملكي، بما يحمله من تقاليد عسكرية ومهام مؤسسية، يجسّد قيمة الجندية حين يصبح الانضباط ممارسةً يومية، والاحتراف معيارًا، والمسؤولية عهدًا. فالمهابة لا تُصنع بالصوت المرتفع، بل بالأداء الذي يفرض الاحترام؛ ولا تُحفظ بالشعارات، بل بإتقان الواجب وصون الأمانة.
سيبقى الموكب الأحمر مشهدًا تتقدّم فيه هيبة الدولة على وقع الانضباط، وسيبقى الحرس الملكي عنوانًا لتقاليد عسكرية أردنية يلتقي فيها شرف الخدمة مع دقة الأداء وعراقة التاريخ. وحين يتقدّم الموكب إلى مجلس الأمة، لا تكون الخطوات مجرد حركةٍ في المكان، بل استحضارًا لذاكرة وطن، وتجديدًا لصورة دولةٍ تعتز بقيادتها الهاشمية، وتقدّر مؤسساتها، وتصون إرثها. ذلك هو سرّ الهيبة التي لا تحتاج إلى شرح طويل؛ تاريخٌ تحمله الرايات، ومهنيةٌ تجسّدها الخطوات، ورجالٌ يدركون أن شرف الواجب أعظم من كل مظهر، وأن عظمة المؤسسة تُقاس بما تؤديه، لا بما يُقال عنها.
مريم بني بكار القادري
