بعد الصدمة القاسية اللي هزت وجدان الأردنيين جميعا بسبب الجريمة اللي شهدتها الكرك وسقوط ضحايا أبرياء
يجب أن لا نكتفي فقط بالحزن والاستنكار والتضامن بل لابد ان نحول هذا الحدث إلى وقفة جادة نراجع فيها أنفسنا ونبحث عن الأسباب والحلول حتى لا تتكرر المأساة مرة ثانية.
الأردنيون في الأزمات دائما أهل وقفة واحدة وكلمة واحدة وقدرتنا على تجاوز المحن نابعة من تماسكنا والتفافنا حول قيادتنا الهاشمية وثقتنا بأجهزتنا الأمنية وحرصنا على أمن بلدنا ووحدة أهلنا.
وهذا واجب وطني لا يوجد عليه اختلاف لكن حماية الوطن لا تكون فقط بالتكاتف وقت الأزمة فقط بل لابد من مراجعة الأخطاء ومعالجة الأسباب اللي ممكن تؤدي إلى تكرار مثل هالأحداث.
صحيح أن هذا الحدث لا تعني إن التطرف اصبح ظاهرة عامة في مجتمعنا الأردني ولا يجوز أن نحكم على مجتمع كامل من خلال أخطاء أفراد.
والدولة مهما بلغت قوتها لا تستطيع ان تعرف ما يدور في عقل كل إنسان أو تتنبأ بكل جريمة قبل وقوعها.
لكن تكرار الجرائم المرتبطة بالفكر التكفيري يجعلنا نسأل أنفسنا بصراحة لماذا هذا الفكر للآن قادر ان يصل لبعض الشباب وكيف نستطع ان نحمي أبناءنا منه وأين الخلل اللي يجب أن نعالجه؟
الفكر التكفيري ليس جديدا على الأردن وقد دفعنا من قبل أثمانا غالية وفقدنا أحبة وخلان وترك هذا الفكر جراحا في بيوت الأردنيين ما تنسى .
ومواجهته لا تكون فقط بالإجراءات الأمنية وحدها مهما كانت أهميتها بل تحتاج لشغل متكامل تتشارك فيه الدولة والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية والأسرة.
الأمن يحمي الناس ويلاحق المجرمين لكن حماية العقول لابد أن تبدأ قبل وقوع الجريمة وقبل ما تتحول الأفكار المنحرفة إلى سلوك يهدد حياة الناس وأمن الوطن.
وهنا لابد أن نسأل عن دور الخطاب الديني في مساجدنا وجامعاتنا ومراكزنا الشرعية.
هل نوصل للشباب خطابا واضحا يجاوب عن أسئلتهم ويعالج الشبهات اللي بستغلها أصحاب الفكر المتطرف؟
وهل نوضح لهم خطورة الغلو والتكفير وحرمة الاعتداء على الأبرياء؟
ام نكتفي بكلام عام إنشائي لا يلامس واقع الشباب ولا بجيب عن الأسئلة اللي تدور في عقولهم؟
نحن بحاجة إلى خطاب ديني ثابت في أصوله وقريب من الناس وواقعهم وقادر على مواجهة الفكر المنحرف بالحجة والعلم والحكمة.
خطاب يوضح أن الدين ليس غطاء للقتل والاعتداء على الآمنين بل جاء ليحفظ النفس والكرامة ويقيم العدل ويردع الظلم.
وكذلك المدرسة والجامعة لهم دور كبير في بناء وعي الشباب وتعليمهم كيف يفكروا ويميزوا بين الحقيقة والكذب وبين الاختلاف المشروع والفكر اللي يدفع الإنسان إلى الكراهية والعنف.
ومن جهة ثانية لابد ان نتكلم بصراحة عن الظروف اللي ممكن تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للاستقطاب.
البطالة والفقر والشعور بالظلم والواسطة والمحسوبية وغياب تكافؤ الفرص وانتشار المخدرات كلها مشكلات لا يجوز لنا ان نتجاهلها.
وهذا ليس معناه إن الفقر أو البطالة يصنعوا الإرهاب أو إن الظروف الصعبة تبرر الجريمة.
فهناك كثير من الناس يعيشون ظروفا أصعب من غيرهم ومع ذلك متمسكين بدينهم وأخلاقهم ورافضين للانحراف.
لكن اجتماع الإحباط مع ضعف الوعي وغياب الاحتواء ممكن يجعل بعض الشباب أكثر عرضة لمن يستغلون وجعهم ويحولون غضبهم إلى كراهية وانتقام.
عندما يشعر الشاب أن مستقبله مغلق وأن الفرص لا تصل إلا لأصحاب الواسطة وإن حقه ما يأخذه إلا إذا كان عنده ظهر فقد يفقد الأمل ويصبح أكثر عرضة لمن يوهمه أنه وجد عنده الحل والجواب.
وهنا مسؤولية الدولة والمجتمع كبيرة في تحقيق العدالة ومحاربة الفساد وتوفير فرص العمل وفتح أبواب الأمل أمام الشباب. لأن الشاب الذي يشعر أن له قيمة وأن له حق ومستقبل يكون أكثر تمسكا بمجتمعه ووطنه.
أما بالنسبة للإجراءات الأمنية فلا خلاف على أهمية دور أجهزتنا الأمنية في حماية الأرواح وملاحقة المجرمين ومنع الجرائم.
لكن السؤال هو هل الإجراءات الأمنية تسير إلى جانب برامج فعالة للوقاية من التطرف وإعادة التأهيل؟
هل في برامج متخصصة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل تساعد على معالجة الأفكار المنحرفة؟
وهل نراجع أوضاع النزلاء ودرجة خطورتهم حتى لا تتحول السجون إلى بيئة يتبادل فيها أصحاب الفكر المتطرف أفكارهم ويزيدوا بعضهم تشددا؟
العقوبة ضرورية لتحقيق العدالة وحماية المجتمع لكنها لوحدها ليست كافية لتغيير الفكر.
والمطلوب أن الذي يقضي محكوميته ويكون عنده استعداد حقيقي للإصلاح يجد فرصة يرجع فيها لحياته الطبيعية ويعيش باستقامة ضمن القانون.
وهذا يجعلنا نسأل ايضا ماذا يحدث بعد انتهاء المحكومية؟
هل في برامج تساعد اللي بحاجة إلى متابعة على الاندماج في المجتمع والعمل من جديد مع المحافظة على متطلبات الأمن والسلامة العامة؟
لأن إغلاق أبواب الحياة أمام الإنسان بعد خروجه من السجن ممكن يزيد عزلته ويضعف فرص إصلاحه.
وهذا ليس معناه أن نتساهل مع الجريمة أو ننسى حقوق الضحايا لكن معناه نفرق بين الذي يصر على العنف والتطرف وبين الذي من الممكن ان يتراجع عن أفكاره ويصلح حاله. فإعادة التأهيل ليست مكافأة للمخطئ بل حماية للمجتمع من تكرار الجريمة.
ولا ننسى دور الأسرة التي هي خط الدفاع الأول عن أبنائها.
الأسرة هي الأقرب للشاب والأقدر على ملاحظة التغيرات اللي تطرأ على سلوكه وأفكاره وعلاقاته.
لكن الأسرة ممكن تخطئ لما تتجاهل المؤشرات المقلقة وممكن تخطئ كمان لما تواجه الشاب بالعنف والإهانة والتشهير بدل الحوار وطلب المساعدة من أهل الاختصاص.
المطلوب أن الأسرة تكون مكانا للثقة والحوار والاحتواء وإن يكون عندها وعي بكيفية التعامل مع الأفكار المنحرفة وإن تتوفر إلها قنوات موثوقة تطلب من خلالها المساعدة قبل ما تتفاقم المشكلة.
ومن الأسئلة المهمة ايضا من اين يصل هذا الفكر لشبابنا؟
وهل مناهجنا ومدارسنا ومساجدنا ومؤسساتنا الوطنية مسؤولة عن انحراف أفراد معدودين؟
هل من العدل إننا نحمل مؤسساتنا مسؤولية أخطاء بعض الأفراد وهي اللي خرجت مئات الآلاف من الضباط والقادة العسكريين والأكاديميين ورجال الدولة اللي خدموا الأردن وأسهموا في بنائه؟
الإنصاف بقتضي أننا لا نحكم على الأصل من خلال الاستثناء ولا نعمم مسؤولية الجريمة على مجتمع كامل أو مؤسسة كاملة بسبب تصرفات أفراد.
لكن هذا ما يمنعنا من مراجعة أي تقصير حقيقي إذا ثبت وجوده ومعالجته بكل جدية.
ليس المطلوب منا ندافع عن أي خطأ ولا نتهم أي جهة بدون دليل.
المطلوب نبحث عن الحقيقة ونحدد مواطن الخلل ونعالجها بدل ما نضيع وقتنا بتبادل الاتهامات.
ومن المهم ايضا ما نغفل دور وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت التي يستغلها بعض أصحاب الفكر المتطرف لنشر دعاياتهم وبث الشبهات واستقطاب الشباب وغسل عقولهم.
وفي شبكات تشتغل عبر الحدود وتستغل ظروف الشباب ومشكلاتهم حتى تدفعهم إلى العنف وتخرب حياتهم وتضر بأوطانهم وتشوه صورة الإسلام.
وهذا يفرض علينا ما نترك الساحة لهؤلاء بل نقدم محتوى دينيا ووطنيا واعيا يخاطب الشباب بلغتهم ويكشف أساليب الاستقطاب والتلاعب بالعقول.
ولابد ان يكون هناك تعاون حقيقي بين الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام والجهات المختصة حتى تكون جهودنا متكاملة ومستمرة وليست رد فعل بعد كل أزمة.
لأن حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود والوقاية من التطرف لابد أن تبدأ قبل أن تقع الجريمة وليس بعدها.
وفي خضم كل ها الاحداث لابد ان نحذر من خطر ثاني وهو أن لا تتحول الجريمة إلى سبب للفتنة بين الأردنيين أو مناسبة لتعميم الاتهام على دين أو طائفة أو عشيرة أو منطقة.
المسؤولية عن الجريمة يتحملها مرتكبها ولا يجوز ان نحمل الأبرياء وزر غيرهم لمجرد القرابة أو الانتماء.
وقوة الأردن بوحدته وعدالة دولته وتماسك مجتمعه ليس بالانتقام ولا بتبادل الاتهامات.
المسلم والمسيحي في الأردن أهل وشركاء في الوطن والمصير والحقوق والواجبات والاعتداء على أي إنسان آمن هو جريمة توجع كل أردني عنده ضمير.
ومواجهة الإرهاب لا تكون بإشعال كراهية جديدة بل بتطبيق القانون وحماية الأبرياء وصون كرامة جميع المواطنين.
نحن اليوم بحاجة إلى وقفة صادقة مع أنفسنا.
ليس من اجل ان نضعف ثقتنا بمؤسساتنا أو نشكك بجهود أجهزتنا الأمنية بل حتى نقوي بلدنا ونسد أي ثغرة ممكن يستغلها أصحاب الفكر المنحرف.
الأردن الذي تجاوز محنا كثيرة بوعي أبنائه وتماسكهم قادر بإذن الله أن يتجاوز هذه الأزمة ايضا .
نريد دولة قوية بأجهزتها الأمنية وعادلة بمؤسساتها وحريصة على حقوق مواطنيها وجادة بمحاربة الفساد والمخدرات وقادرة أن تفتح أبواب الأمل أمام الشباب.
ونريد خطابا دينيا واعيا وأسرة متماسكة ومدرسة وجامعة تحصن العقول ومراكز إصلاح تقوم بدورها ومؤسسات تشتغل مع بعضها بروح المسؤولية.
الوقوف خلف القيادة الهاشمية والأجهزة الأمنية واجب وطني ومراجعة الأخطاء ومعالجة أسبابها واجب وطني كمان.
فالأمن مسؤولية الجميع وحماية الأردن تحتاج مؤسسات قوية ومجتمعا واعيا وتعاونا حقيقيا بين كل الأطراف.
وأمن الوطن خط أحمر لا يجوز ان نسمح لأي جهة أن تعبث فيه أو تستغل المأساة للإساءة إلى دين أو طائفة أو عشيرة.
حفظ الله الأردن وحمى قيادتنا الهاشمية وأجهزتنا الأمنية وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان
