من قرية أردنية صغيرة في محافظة الكرك، خرج اسم تيريزا الهلسة إلى واحدة من أكثر العمليات إثارة للجدل في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما ارتبط اسمها بعملية اختطاف طائرة «سابينا» عام 1972، في حين تروي روايات إعلامية تفاصيل عن إصابة بنيامين نتنياهو خلال العملية، وسط اختلاف في الروايات بشأن مصدر الرصاصة التي أصابته.
لكن حكاية حمود لا تقف عند تيريزا الهلسة ونتنياهو، ولا تختصرها صفحات الصراع السياسي والعسكري؛ فهذه القرية الواقعة شمال شرقي مدينة الكرك، جنوبي الأردن، وجدت نفسها في واجهة مأساة هزت البلاد، بعدما استهدف هجوم مسلح كنيسة خلال مراسم عزاء، مخلفا قتلى وجرحى، ليصطدم تاريخ طويل من الهدوء والتماسك الاجتماعي بواقعة لم تعهدها ذاكرة أهلها.
وتبعد حمود نحو 25 كيلومترا عن مركز مدينة الكرك، وتتميز بمنازلها الحجرية القديمة وبيوتها المتجاورة، فيما ارتبط اسمها بعائلة الهلسة وشخصيات تركت بصمات في الأدب والسياسة والعمل الوطني، إلى جانب تاريخ من الزراعة والتعليم والتجارة، تشكل عبر جهود أهلها ومبادراتهم المحلية.
تيريزا الهلسة.. من حمود إلى واحدة من أشهر عمليات الطائرات
تعد المناضلة تيريزا الهلسة من أبرز الاسماء المرتبطة بتاريخ المقاومة الفلسطينية، وقد ولدت في مدينة عكا، وارتبط اسمها بعملية اختطاف طائرة سابينا عام 1972، التي نفذتها مجموعة من الفدائيين بهدف الضغط من اجل الافراج عن اسرى فلسطينيين.
واعتقلت السلطات الاسرائيلية الهلسة عقب العملية، قبل ان يفرج عنها عام 1983 ضمن صفقة تبادل اسرى، ثم عاشت في الاردن حتى وفاتها عام 2020.
وتتناول روايات اعلامية عربية تفاصيل عن اصابة بنيامين نتنياهو خلال اقتحام الطائرة، غير ان الروايات تختلف بشأن مصدر الرصاصة التي اصابته.
ويمتد حضور عائلة الهلسة الى شخصيات اخرى في الثقافة والسياسة والعمل الوطني. ومن بينها الروائي والناقد غالب الهلسة، الذي ترك اعمالا في الادب والنقد تناولت الانسان والمدينة والتحولات الاجتماعية والسياسية، وارتبط اسمه بالحياة الثقافية العربية، ولا سيما في بيروت خلال سنوات الحرب.
كما يبرز اسم يعقوب العودات، المعروف بلقب البدوي الملثم، وهو اديب وباحث اردني اهتم بالتراجم والتاريخ والادب، واسهم في توثيق جوانب من الحياة الثقافية والوطنية.
ويذكر كذلك مشعل الخيطان الهلسة، الذي امضى سنوات في معتقل الخيام جنوبي لبنان، ضمن سجل من التجارب الوطنية التي ارتبطت ببعض ابناء القرية، بين من انخرطوا في المقاومة الفلسطينية ومن خدموا في صفوف القوات المسلحة الاردنية.
ومع ذلك، يقتضي التوثيق التمييز بين الشخصيات ذات الجذور العائلية المرتبطة بحمود، وتلك التي ولدت فيها او اقامت بها، اذ لا تتطابق هذه الروابط بالضرورة في جميع السير.

حجارة حمود.. ذاكرة مجتمع بنى مدرسته وسوقه بجهود ابنائه
وبعيدا عن الاسماء التي ارتبطت بالصراع السياسي، تحمل حمود تاريخا اجتماعيا تشكل على امتداد اجيال، فقد عرفها سكانها قرية هادئة تقوم علاقاتها على الجوار والمصاهرة والتواصل بين العائلات.
وينقل اهالي القرية روايات متوارثة تفيد بان الخلافات كانت تعالج غالبا من خلال التفاهم والاحتكام الى الوجهاء، وانهم لا يتذكرون حوادث استدعت تدخل رجال الامن لفض مشاجرات بين السكان. وقد اكتسبت هذه الروايات حضورا خاصا بعد الهجوم المسلح الذي حول مراسم عزاء الى مأساة.
ويشير جورج الهلسة، احد ابناء القرية، الى تعدد الروايات المتعلقة بالجذور البعيدة لعشيرة الهلسة؛ فبعضها يربطها ببلدان عربية مجاورة، فيما تشير روايات اخرى الى جد يعود الى العصر المملوكي، قبل استقرار العائلة في الكرك وارتباطها بعشائر المنطقة من خلال المصاهرة.
وعلى اختلاف هذه الروايات، يبرز العامل الزراعي بوصفه جزءا اساسيا من نشأة التجمع السكاني، اذ دفعت الحاجة الى رعاية المحاصيل والمواشي والاقامة قرب الحقول خلال مواسم الحراثة والحصاد عائلات الى بناء مساكن مستقرة في المنطقة.
ويختصر ابناء العشيرة علاقتهم بالقرية بعبارة «حمود مربط خيلنا»، في وصف يعكس ارتباط الارض بالذاكرة العائلية، لا باعتبارها مكانا للسكن فحسب، بل جزءا من هوية تناقلتها الاجيال.
وامتد حضور بعض ابناء العائلة الى بلدان الاغتراب، ولا سيما في امريكا اللاتينية، لكن الروايات المحلية تشير الى بقاء حمود حاضرة في وجدان المهاجرين رغم المسافات.
وتظهر ملامح هذا الارتباط في العمارة التقليدية للقرية، حيث بنيت المنازل الحجرية متجاورة، واضاف الابناء مساكنهم الى بيوت الاباء، حتى بدت الاحياء امتدادا عائليا متصلا.

وفي بعض البيوت، وجدت فتحات صغيرة تعرف محليا باسم «الطاقة»، تربط المنازل المتلاصقة وتتيح للجيران التواصل من دون مغادرة بيوتهم. ولم تكن هذه الفتحات مجرد تفصيل معماري، بل وسيلة لتبادل الاخبار والتنبيه الى الطوارئ والاطمئنان على الجيران، والابلاغ عن حالات الولادة والوفاة.
اما التعليم، فكان من المبادرات التي سبقت وصول المؤسسات الرسمية على نطاق واسع؛ اذ بادر الاهالي الى تأسيس مدرسة عام 1922، بتمويل محلي ومساهمة من ابناء القرية في تجهيز الغرف الصفية وتوفير الاحتياجات ودفع اجور المعلمين بالتنسيق مع الجهات التعليمية آنذاك.
وبحسب الباحث حيدر الهلسة، كانت المدرسة الاولى في شمال الكرك والثانية على مستوى المحافظة، واسهمت في تعليم ابناء حمود والقرى المجاورة.
وشكل السوق التجاري محطة مهمة في حياة القرية، اذ قصده تجار من مناطق مختلفة في الكرك لبيع الحبوب والخضراوات وشراء البضائع التي كان ابناء حمود يجلبونها من فلسطين وبلاد الشام. وفي ظل ندرة النقود، حضرت المقايضة في التعاملات التجارية، قبل ان تصبح مطحنة الحبوب التي عرفت عام 1939 محطة اقتصادية اضافية للمزارعين وسكان المناطق المجاورة.
ولم تكن الكنيسة بعيدة عن هذا النسيج الاجتماعي؛ فقد احتلت مكانة مركزية في حياة القرية، وتجاوز دورها اقامة الصلوات الى المناسبات الاجتماعية المرتبطة بالميلاد والزواج والوفاة، لتصبح مكانا تختزن جدرانه ذكريات اجيال من السكان.
ولهذا، لم يكن استهداف كنيسة الروم الارثوذكس اعتداء على مبنى ديني فقط، بل اصاب مكانا ارتبط بحياة المجتمع وذاكرته، في قرية اعتاد اهلها المشاركة في مناسبات بعضهم بعضا.
وتكشف سيرة حمود عن تاريخ لا تصنعه الشخصيات البارزة وحدها، بل ايضا مبادرات السكان الذين بنوا مدرسة وسوقا ومساكن متجاورة، وحافظوا على روابط اجتماعية امتدت عبر الاجيال.
وبين قصة تيريزا الهلسة التي ارتبط اسمها بمرحلة من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وذاكرة قرية وجدت نفسها امام هجوم دموي، تتجاوز حكاية حمود حدود الجغرافيا؛ فهي سجل من التحولات السياسية والاجتماعية، وذاكرة مكان يحاول ابناؤه الحفاظ على تاريخه رغم قسوة ما شهدته القرية.

