تخوض المزارعة الفلسطينية ذيبة السبع معركة يومية من الصمود في بلدة بيت امر شمال الخليل، حيث تحولت كروم العنب التي ورثتها عن اجدادها الى ساحة مواجهة مباشرة ضد زحفمع توسع البؤر الاستيطانية المحيطة بارضها، باتت حياتها اليومية محفوفة بالمخاطر والقيود، اذ تخرج السبع صباح كل يوم لتفقد ما تبقى من اشجارها، متحدية حصار المستوطنين الذين يسعون لتهجير العائلات الفلسطينية من اراضيها الزراعية عبر ترهيب المزارعين وتدمير محاصيلهم باستمرار.
واكدت السبع ان الارض بالنسبة لها ليست مجرد مصدر للرزق او ملكية عادية، بل هي جزء من هويتها وتاريخها الذي يرفض التفريط فيه مهما بلغت التضحيات، موضحة ان المستوطنين يتعمدون اقتحام اراضيها باغنامهم لتخريب المحاصيل، كما يقومون بمراقبة تحركات افراد اسرتها بشكل دائم، مما يحول كل خطوة تقوم بها الى تحد جديد في وجه مخططات الاستيلاء على الاراضي التي تصر على التمسك بها رغم كل الضغوطات والاعتداءات المستمرة.
واضافت المزارعة ان وجودها في ارضها يمثل رسالة صمود في وجه محاولات الترهيب، مشيرة الى ان المستوطنين يستدعون قوات الاحتلال لطردهم بدلا من حمايتهم، ورغم هدم المنشآت الزراعية التي اقامتها لخدمة كرومها، الا انها ترفض فكرة الرحيل، مؤكدة ان الارض التي ولدت وعاشت فيها ستظل امانة في عنقها، وان مغادرتها تحت وطأة الضغط ليست خيارا مطروحا في قاموس حياتها اليومي.
واقع المزارعين تحت الحصار
وبين المزارع انور صبارنة الذي يسكن المنطقة ذاتها، ان المعاناة تتضاعف مع تصاعد اعتداءات المستوطنين منذ اواخر العام الماضي، حيث اضطر بعض اقاربه للرحيل نتيجة التضييقات، موضحا ان الوصول الى بساتين العنب اصبح مخاطرة كبيرة، اذ يتربص المستوطنون بالمزارعين من التلال القريبة، مما جعل استصلاح الارض والعمل فيها يتطلب جهدا مضاعفا وسط غياب كامل للامن، ورغم ذلك يصر صبارنة على محاولة الوصول لارضه رغم كل الاعتقالات والاعتداءات التي طالت عائلته.
وشدد صبارنة على ان الاحتلال يفرض قيودا تعسفية تمنع المزارعين من ترميم السلاسل الحجرية او اقامة مرافق خدمية، مبينا ان الجيش يطالبهم باستصدار تصاريح خاصة للعمل في اراضيهم المملوكة لهم بوثائق رسمية، وهو ما يعد انتهاكا واضحا لحقوقهم، مؤكدا ان البقاء ومحاولة زراعة الارض يظلان جزءا اصيلا من تمسكه بمصدر رزق عائلته، رغم ان المسافة القصيرة بين منزله ومزرعته باتت تفصلها حواجز من الخوف والترهيب.
وكشف خبير الاستيطان حسن بريجية ان التوسع الاستيطاني المتواصل في بيت امر وجنوب الضفة الغربية يمثل تهديدا وجوديا للقطاع الزراعي، موضحا ان البوابات العسكرية التي ينصبها الاحتلال على مداخل التجمعات الفلسطينية تعيق حركة المزارعين وتمنع وصولهم الى بساتينهم، مما ادى الى هجر مساحات واسعة من الاراضي قسرا، حيث يجد المزارعون انفسهم عاجزين عن قطف محاصيلهم للموسم الرابع على التوالي بسبب هذه الاجراءات العسكرية التي تستهدف ديمومة الارض وانتاجيتها.
تحديات الصمود والمستقبل
واوضح بريجية ان خطورة الموقف تكمن في اقامة الشوارع الالتفافية التي تمزق التواصل بين القرى الفلسطينية، مشيرا الى ان العلاقة الوجدانية التي تربط المزارع بارضه تجعله يقاوم هذه المخططات، مؤكدا ان المرأة الفلسطينية تلعب دورا محوريا في حماية هذا الارث الزراعي، اذ تواصل العمل في الحقول رغم غياب الرجال، وتثبت يوما بعد يوم قدرتها على الحفاظ على الارض كقيمة وطنية لا يمكن التنازل عنها مهما بلغت التحديات الميدانية.
واظهرت بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان وتيرة الاعتداءات سجلت ارقاما قياسية خلال النصف الاول من العام الجاري، حيث نفذ المستوطنون وقوات الاحتلال آلاف العمليات العدائية ضد المزارعين وممتلكاتهم، مما يعكس استراتيجية ممنهجة لافراغ الارض من اصحابها، ومع ذلك تظل ذيبة السبع وانور صبارنة نماذج حية لارادة شعب يرفض الانكسار، متمسكين بكل شبر من ارضهم التي تروي حكايات الصبر والتمسك بالحق في وجه محاولات التهويد.
واشار خبراء الى ان استمرار هذه السياسات يضع القطاع الزراعي الفلسطيني امام خطر الاندثار، مؤكدا ان الصمود الفردي يحتاج الى دعم مؤسسي وشعبي لتعزيز قدرة المزارعين على البقاء، مبينا ان الارض ستظل شاهدة على تاريخ اصحابها الشرعيين، وان كل محاولات التضييق لن تفلح في اقتلاعهم من جذورهم، لان الارتباط بالارض يتجاوز كونه مهنة ليكون قضية وجودية تتردد اصداؤها في كل زاوية من زوايا جبال الخليل العامرة بالكروم.
