مر عام كامل على تلك الليلة الدامية التي شهدت استهداف خيمة الصحفيين في غزة. حيث تحول المكان الذي كان منبرا للحقيقة الى ساحة للابادة طالت ستة من ابرز الاصوات التي نقلت معاناة القطاع للعالم.
واكد شهود عيان ان اولئك الصحفيين لم يكونوا مجرد ناقلين للاخبار بل كانوا جزءا من وجع الناس. وبقيت ذكراهم حاضرة في كل زاوية من غزة التي ما زالت تبكي رحيل من كانوا صوتها حين غاب العالم.
واضاف مراقبون ان استهدافهم كان محاولة ممنهجة لطمس الحقيقة وتغييب الشاهد عن الميدان. لكن ارثهم المهني والانساني ظل حيا في ذاكرة الغزيين الذين يرفضون نسيان من دفعوا حياتهم ثمنا لايصال صوت الحقيقة لكل الناس.
سيرة لا تنطفئ في ذاكرة المدن
وبين سكان غزة ان الخيمة التي سقط فيها الشهداء لا تزال شاهدا على حضورهم. فالاماكن تحفظ وجوههم واصواتهم وتستحضر تفاصيلهم كلما مر احد من ذلك المكان الذي شهد لحظاتهم الاخيرة قبل ان يغيبهم الموت القاسي.
واستذكر اهالي جباليا مواقف انسانية للصحفي الراحل انس الشريف الذي لم يكتف بنقل صورة المجازر. بل كان حاضرا بروحه وعطفه حين احتضن طفلة ناجية من الموت محاولا التخفيف عنها في لحظات الفقد المريرة.
وكشفت مريم الشنباري صاحبة الصورة الشهيرة مع انس ان كلماته ما زالت تتردد في مسمعها. مؤكدة ان ذلك العناق كان بلسما لجراحها وان ذكراه ستبقى محفورة في وجدانها رغم مرور عام على رحيله المفجع.
انسانية تجاوزت حدود المهنة
واوضحت شهادات مقربين ان انس كان انسانا قبل ان يكون صحفيا. فقد لامس وجع الناس بصدق واقترب من معاناتهم لدرجة التماهي. مما جعله رمزا للنبل الصحفي الذي يمتزج فيه الواجب المهني بالقيم الانسانية النبيلة.
واكدت زوجته بيان السنوار ان غيابه ترك فراغا لا يملؤه شيء. مشيرة الى ان اطفالها ما زالوا يبحثون عن ملامحه في الصور. ويحاولون فهم غيابه الذي جعل حياتهم تبدو كظلال بلا روح او ملامح واضحة.
واشار زملاء الشهيد محمد قريقع الى ان مسيرته القصيرة كانت حافلة بالشجاعة. فقد واجه فقدان والدته واعتقاله بصمود اسطوري. محولا وجعه الشخصي الى قوة دافعة للاستمرار في كشف جرائم الاحتلال امام شاشات العالم اجمع.
ارث نضالي في وجه التغييب
وبين الصحفي محمد شاهين ان غزة فقدت برحيلهم نمطا فريدا من التغطية الميدانية. حيث اصروا على البقاء في مناطق الخطر الشديد رغم كل التهديدات. ليثبتوا ان الكلمة الصادقة لا يمكن ان تصمت مهما بلغت التضحيات.
واكد ياسر ابو هين ان الحرب صقلت تجربة هؤلاء الصحفيين وجعلتهم كنزا اعلاميا فلسطينيا. مشيرا الى ان محاولات التشويه التي تعرضوا لها كانت تهدف لنزع صفة الصحفي عنهم لتبرير استهدافهم المباشر امام انظار العالم الصامت.
وشدد خبراء قانونيون على ضرورة تحويل ملفات هؤلاء الشهداء الى قضايا دولية. فالمطلوب اليوم ليس مجرد رثاء. بل ملاحقة قضائية لكل من اصدر اوامر القتل لضمان عدم افلات الجناة من العقاب العادل الذي يستحقونه.
