شهدت الساحة الاردنية موجة واسعة من الجدل والتفاعل، عقب تصريحات ادلى بها رئيس الديوان الملكي الاسبق الدكتور جواد العناني، تحدث فيها عن ظروف رسم خارطة الاردن بعد اتفاقية سايكس بيكو، في مقابلة تلفزيونية اثارت ردود فعل غاضبة في الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
واعتبر كثير من الاردنيين ان مضمون التصريحات حمل توصيفا غير مقبول للتاريخ الجغرافي والسياسي الذي نشأت في سياقه الدولة الاردنية، ما فتح باب نقاش واسع حول طبيعة الخطاب السياسي عند تناول قضايا التأسيس والحدود.
تصريحات مثيرة تفتح باب الجدل حول نشاة الحدود
قال العناني خلال مقابلة تلفزيونية، ان من رسم خارطة الاردن بعد معاهدة سايكس بيكو "كان سكران"، مضيفا في الوقت نفسه انه "كان يعرف ما الذي يريده"، في اشارة الى ظروف رسم الحدود في تلك المرحلة التاريخية الحساسة.
وتابع في حديثه ان شكل الخارطة مر بتصورات مختلفة، حيث تم التعامل معه "مرة بشكل مسدس ومرة بشكل مثلث في المنتصف، واحيانا بتفاصيل دقيقة في الجنوب"، على حد تعبيره، متسائلا عن حجم التعقيد الذي رافق عملية رسم الحدود في وقت كانت فيه العديد من المناطق العربية تعيش حالة من التحول السياسي الكبير.
كما اشار الى ان النظرة الى الاردن في تلك الفترة كانت اقرب الى كونه "دولة فصل" تفصل بين مناطق جغرافية واسعة مثل سوريا والخليج والعراق وفلسطين، وهو ما اعتبره جزءا من السياق التاريخي الذي رافق نشاة الدولة.
قراءة تاريخية مثيرة للجدل وردود فعل غاضبة
تطرق العناني خلال المقابلة الى التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال عقود لاحقة، موضحا ان الاردن وجد نفسه امام سلسلة من الاحداث والصراعات والايديولوجيات المختلفة، خصوصا في ظل الخلافات بين بعض الاحزاب والحركات السياسية في المنطقة منذ منتصف القرن الماضي.
واشار الى ان هذه الظروف دفعت الاردن تدريجيا الى تعزيز فكرة الاستقرار الداخلي، والاعتماد على بناء دولة ثابتة على الارض، مع تحديد موقف سياسي واضح في التعامل مع محيطه الاقليمي، معتبرا ان ذلك شكل خيارا عمليا في ظل التحديات المتراكمة.
كما تحدث عن الازمة الاقتصادية التي واجهها الاردن في مطلع السبعينيات بعد ارتفاع اسعار النفط عقب حرب اكتوبر، مشيرا الى ان ذلك انعكس بشكل كبير على الاقتصاد المحلي، قبل ان يتم تجاوز جزء من الازمة عبر التكيف السريع وفتح اسواق العمل في دول الخليج امام العمالة الاردنية.
ورغم الطابع التحليلي لبعض الطروحات، الا ان طريقة عرضها اثارت جدلا واسعا بين متابعين اعتبروا ان بعض العبارات لا تتناسب مع حساسية الحديث عن تاريخ الدولة وتاسيسها.
هجوم اردني واسع وانتقادات حادة للتصريحات
فور انتشار التصريحات، تصدر وسم غير رسمي للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبر اردنيون عن رفضهم الشديد لما ورد، معتبرين ان توصيف عملية تاريخية تتعلق برسم الحدود بتعبيرات صادمة يفتقر الى الدقة والاحترام للسياق التاريخي.
واكد عدد من المعلقين ان الاردن دولة ذات تاريخ سياسي واضح وتضحيات كبيرة، ولا يجوز تبسيط نشاتها او تقديمها في سياق ساخر او غير دقيق، خصوصا في ملفات تتعلق بالحدود والهوية الوطنية.
وطالب اخرون بضرورة توخي الدقة عند تناول قضايا تاريخية حساسة، والابتعاد عن العبارات التي قد تفتح باب سوء الفهم او تثير حساسيات داخلية، مؤكدين ان النقاش حول التاريخ يجب ان يكون مبنيا على منهج علمي وتحليل موضوعي بعيد عن الانطباعات الشخصية.
ولم يقتصر الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد الى ردود فعل من شخصيات قانونية، حيث هاجم المحامي عمر كمال التصريحات، معتبرا انها اثارت موجة واسعة من النقاش غير المبرر.
وقال في تعليق متداول ان بعض التصريحات قد تفتح باب التاويلات، في اشارة ساخرة الى احتمال عودة اصحاب هذه الاراء الى مواقع رسمية او سياسية، في تعبير عن حجم الاستياء من الطرح الذي قدم.
هذا النوع من الردود عكس حجم الانقسام في تقييم التصريحات، بين من يراها قراءة تاريخية قابلة للنقاش، وبين من يعتبرها تجاوزا للخطوط الحساسة المرتبطة بالهوية الوطنية والتاريخ السياسي للدولة.
