بقلم: عمر الدريني
في اليوم التاسع من ذي الحجة يأتي يومُ عرفةَ كلَّ عامٍ وكأنَّه نافذةُ نورٍ تُفتحُ للقلوبِ المتعبة، وفرصةٌ عظيمةٌ ليبدأَ الإنسانُ من جديد، بعيدًا عن أثقالِ الماضي وأوجاعِ الذنوب، ففي هذا اليومِ المبارك، تتجلّى رحمةُ اللهِ بأوسعِ صورِها، ويشعرُ المؤمنُ أنَّ أبوابَ المغفرةِ قد فُتحتْ له، وأنَّ اللهَ يدعوهُ ليعودَ إليه بقلبٍ صادقٍ وروحٍ منكسرة.
وقد قال النبي ﷺ:"إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ أَهْلَ السَّمَاءِ " رواه أحمد، وفي هذا الحديثِ تتجلّى عظمةُ هذا اليومِ ومكانةُ أهله عند الله، إذ يقفُ الحُجّاجُ على جبل عرفة بقلوبٍ خاشعةٍ وأيدٍ مرفوعة، يرجونَ رحمةَ اللهِ ومغفرتَه، بينما تمتدُّ بركاتُ هذا اليومِ إلى المسلمينَ في كلِّ مكان.
ويومُ عرفةَ ليس يومًا عاديًّا في حياةِ المؤمن، بل هو يومُ الانبعاث الجديد، اليومُ الذي يشعرُ فيه الإنسانُ أنَّه يتحرّرُ من أثقالِ الذنوبِ التي حملها طويلًا، وأنَّ روحَهُ بدأتْ تستعيدُ صفاءَها ونقاءَها، فالتوبةُ في هذا اليومِ ليست مجرّدَ كلماتٍ تُقال، بل تحوّلٌ داخليٌّ عميق، يشعرُ معه المؤمنُ أنَّه عادَ إلى اللهِ بقلبٍ أكثرَ صدقًا وقربًا.
وفي لحظاتِ الدعاءِ والخشوع، يذوبُ الماضي بكلِّ ما فيه من أخطاءٍ وانكسارات، ويشعرُ الإنسانُ أنَّ اللهَ يمنحُه فرصةً جديدةً للحياة. ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]، فهذه الآيةُ تُعيدُ الأملَ إلى كلِّ قلبٍ أثقلتْهُ الذنوب، وتؤكّدُ أنَّ بابَ الرحمةِ لا يُغلقُ في وجهِ من عادَ صادقًا إلى ربِّه.
ويشعرُ المؤمنُ في يومِ عرفةَ أنَّ الغفرانَ ليس وعدًا بعيدًا، بل حقيقةٌ يعيشُها بقلبِه وروحِه، فكم من إنسانٍ دخلَ هذا اليومَ مثقلًا بالحزنِ والخوفِ والندم، ثم خرجَ منه مطمئنًّا خفيفَ الروح، وكأنَّ اللهَ قد أعادَ إليه القدرةَ على الحياةِ من جديد.
كما يُعلّمُنا هذا اليومُ أنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بماضيه، بل بقدرتِه على العودةِ إلى الله، فمهما تعثّرَ الإنسانُ أو ابتعد، يبقى بابُ التوبةِ مفتوحًا، ويبقى الأملُ قائمًا ما دامَ القلبُ حيًّا بالإيمان.
ويومُ عرفةَ هو أيضًا يومُ مصالحةٍ مع النفس؛ يومٌ يتوقّفُ فيه الإنسانُ طويلًا أمامَ حياتِه، فيُراجعُ أخطاءَه، ويُدركُ أنَّ العمرَ أقصرُ من أن يُستهلكَ في الندمِ واليأس، ولذلك يكونُ الغفرانُ في هذا اليومِ بدايةً حقيقيةً لمرحلةٍ جديدة، أكثرَ صفاءً وطمأنينةً وإقبالًا على الخير.
إنَّه يومٌ يولدُ فيه الإنسانُ من جديد، لا بجسدِه، بل بروحِه وقلبِه، يومٌ يشعرُ فيه أنَّ رحمةَ اللهِ قادرةٌ على أن تمحوَ ما مضى، وتفتحَ أمامَه طريقًا جديدًا مليئًا بالأملِ والنور، ولهذا تبقى عرفةُ أعظمَ مواسمِ الغفران، والفرصةَ التي قد تغيّرُ حياةَ الإنسانِ كلَّها في لحظةِ صدقٍ واحدة بينه وبين الله.
