مع بزوغ الفجر في حي المذبح التاريخي بالقاهرة تبدا رحلة العمال الشاقة حيث تنتشر عربات اللحوم وتستعد النساء لعرض فواكه الذبائح بينما يصدح السماطون باهازيجهم الشعبية وسط تصاعد ابخرة المياه الساخنة التي تغطي المكان.
واظهرت المتابعة الميدانية ان عملية السمط تعتمد بشكل اساسي على غمس الرؤوس والاقدام في مياه تغلي لدرجات حرارة مرتفعة جدا بهدف ازالة الشعر وتنظيفها بعناية فائقة لتكون جاهزة للاسواق قبل وصولها للمستهلكين.
وكشفت الجولات ان هؤلاء العمال يقضون اكثر من اثني عشر ساعة يوميا وسط ظروف عمل قاسية للغاية حيث تظل ايديهم مغمورة في المياه الساخنة مما يعرضهم لمخاطر الالتهابات الجلدية والتسلخات المزمنة والمؤلمة.
متاعب المهنة وتحديات العمال
وبين العمال ان هذه المهنة تتطلب جلدا وصبرا كبيرا خاصة مع دخول موسم الاضاحي حيث يتضاعف العمل بشكل جنوني وتتحول اماكن التنظيف الى خلايا نحل تعمل على مدار الساعة دون توقف لتلبية الطلب.
واضاف العاملون انهم يضطرون لاستخدام القفازات الطبية وبعض الكريمات العلاجية خلال فترات الراحة القصيرة لحماية ايديهم التي تعد راس مالهم الوحيد في هذه الحياة الصعبة لضمان استمرارية قدرتهم على كسب قوت يومهم.
واكد احد العاملين القدامى ان الاطفال الصغار يشاركون في هذا العمل الشاق منذ سنوات مبكرة لنقل صفائح الماء المغلي وتجهيز الذبائح مما يجعل هذه المهنة ارثا يتناقله البعض رغم رغبتهم في مستقبل افضل.
اجور العاملين في سوق المذبح
وبينت الارقام ان مهنة السمط تعتبر من المهن الاعلى دخلا في سوق المذبح بعد الجزارين مباشرة حيث يتقاضى العامل اجورا مجزية تصل الى ارقام مرتفعة خاصة في مواسم الذروة والاعياد السنوية المعروفة.
واشار العمال الى ان هذه الاموال تذهب لتغطية احتياجات اسرهم الكبيرة وتامين متطلبات الحياة الاساسية رغم ان البعض يرفض تماما ان يلتحق ابناؤهم بهذا العمل الشاق املا في تعليمهم وحصولهم على فرص وظائف مختلفة.
واوضح الكثيرون منهم ان ايام العيد تمثل ذروة العمل حيث يجوبون الشوارع لتقديم خدمات الذبح والتنظيف خارج المذبح مما يزيد من اجهادهم البدني الذي لا ينتهي الا بعد انقضاء ايام النحر بسلام.
موسم الرزق وتفاصيل الحياة
واضاف العاملون ان ما يخفف عنهم وطاة الحرارة والمجهود البدني هو روح الالفة والمرح التي تجمعهم طوال اليوم من خلال تبادل النكات والحديث عن كرة القدم واغاني التراث التي تكسر حدة التعب.
وشدد العمال على انهم رغم كل الصعوبات والالم الذي تسببه المياه المغلية يظلون متمسكين بهذه الحرفة التي توفر لهم دخلا مستقرا يضمن حياة كريمة لعائلاتهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهونها يوميا.
وبينت المشاهد ان مهنة السمط تظل جزءا لا يتجزا من ثقافة المذبح المصري حيث يمتزج العرق بالماء المغلي ليصنعوا في النهاية مصدر رزق لا غنى عنه في قلب العاصمة التاريخية لكل المصريين.
