لم تعد الحروب والصراعات العسكرية محصورة في ميادين القتال التقليدية او اسواق النفط الخام فقط بل امتد اثرها لتصل الى جيوب المستهلكين حول العالم عبر الاجهزة التقنية التي نستخدمها يوميا. واظهرت التحليلات ان الهاتف الذكي الذي يبدو في ظاهره منتجا تقنيا متطورا يرتبط في جوهره بسلسلة امداد معقدة تبدا من المنشات البتروكيمياوية في منطقة الخليج وتصل الى خطوط انتاج الرقائق الالكترونية في شرق اسيا. واكد الخبراء ان اي اضطراب امني في المنطقة يمتلك القدرة المباشرة على اشعال اسعار التكنولوجيا عالميا نتيجة تداخل المواد المشتقة من النفط في صناعة المكونات الاساسية لهذه الاجهزة.
واوضحت التقارير التقنية ان الصناعات البتروكيمياوية باتت تشكل عنصرا حاسما في تصنيع الهواتف الذكية والخوادم المخصصة للذكاء الاصطناعي حيث لا تعتمد هذه الاجهزة على المعالجات فحسب بل تستند الى لوحات دوائر مطبوعة تتكون من مواد بلاستيكية هندسية والياف زجاجية مقاومة للحرارة. وبينت البيانات ان دول الخليج تقف في قلب الاقتصاد التكنولوجي العالمي بفضل دورها كمنتج رئيسي لهذه المواد حيث تبرز السعودية كلاعب محوري عبر شركات كبرى تنتج ملايين الاطنان من البوليمرات والمواد البلاستيكية المتطورة.
وكشفت الدراسات ان مادة راتنج بولي فينيلين المعروفة بـ بي بي اي تعد ركيزة اساسية في تصنيع الدوائر المطبوعة عالية الاداء المستخدمة في الاجهزة الذكية. واضافت المصادر ان مصانع الجبيل في السعودية تستحوذ على حصة ضخمة تصل الى 70 بالمئة من الانتاج العالمي لهذه المادة الحساسة مما يمنح المنطقة ثقلا استراتيجيا لا يمكن تجاوزه في سلاسل التوريد العالمية.
تاثير اضطرابات الامدادات على اسعار الاجهزة
وتنتقل هذه المواد الاولية لاحقا الى مراكز التصنيع الكبرى في الصين وتايوان وكوريا الجنوبية حيث يتم دمجها في الرقائق الالكترونية المتقدمة. واشار المحللون الى ان تايوان التي تسيطر على غالبية انتاج الرقائق عالميا تعتمد بشكل كلي على المواد القادمة من الخليج لتشغيل مصانعها. وشدد المراقبون على ان اي تهديد لهذه الامدادات يؤدي بالضرورة الى تباطؤ خطوط الانتاج وارتفاع التكاليف التشغيلية للمصنعين.
واكدت التقارير ان التوترات الاخيرة في منطقة الخليج واستهداف مجمعات بتروكيمياوية تسبب في تراجع مفاجئ بتوافر المواد الخام الاساسية. واوضح خبراء ماليون ان هذا النقص ادى الى قفزة في اسعار لوحات الدوائر المطبوعة بنسبة وصلت الى 40 بالمئة خلال اسابيع قليلة. واضافت التقديرات ان زيادة التوتر في مضيق هرمز ساهمت في تعقيد حركة الشحن البحري مما جعل نقل المخزونات اكثر كلفة وخطورة.
وحذرت مؤسسات ابحاث السوق من ان استمرار هذه الازمة قد يفرض صدمة تضخمية واسعة في قطاع التكنولوجيا. وبينت التوقعات ان اسعار الهواتف الذكية والالكترونيات الاستهلاكية قد ترتفع بنسبة تصل الى 25 بالمئة خلال الربع المقبل نتيجة الاعتماد على الشحن الجوي المكلف. واشار التقرير الى ان خوادم الذكاء الاصطناعي قد تكون الاكثر تضررا بارتفاعات قد تتجاوز 30 بالمئة نظرا لندرة المواد العازلة والمقاومة للحرارة الضرورية لتشغيل مراكز البيانات العملاقة.
