خاص- صوت عمان
قضت محكمة صلح جزاء عمان باعلان عدم مسؤولية طبيب عن جرم الغش في البضاعة، بعد شكوى تقدم بها مريض على خلفية عملية طبية كلفته 5 آلاف دينار، وذلك بعدما خلصت المحكمة الى ان العلاقة بين الطرفين كانت عقد مقاولة وعمل طبي، وليست عقد بيع، وبالتالي لا تتوافر العناصر القانونية اللازمة لقيام الجرم المسند.
وبحسب قرار المحكمة، الذي اطلع عليه موقع “صوت عمان”، فان المريض كان قد راجع الطبيب بعد تعرضه سابقا لحادث تسبب له بمشكلة صحية، وكان بحاجة الى دعامة لعلاج مشكلة ضعف الانتصاب لديه اثناء الوقوف.
ووفقا لما ورد في القرار، كان المريض قد اجرى صورة طبية وراجع مستشفى، حيث طُلب منه اجراء صورة اخرى، قبل ان يبدأ بالبحث عن الجهات التي توفر الدعامات في الاردن.
وفي الشهر ذاته، توجه الى عيادة الطبيب وبحوزته الصورة الطبية، وجرى الاتفاق على اجراء العملية مقابل 5 آلاف دينار، على ان تكون الدعامة من نوع محدد، باعتبارها تمتد بالطول والعرض ومكفولة مدى الحياة، وتم تحديد موعد العملية في اليوم التالي.
وبحسب الوقائع التي ثبتت للمحكمة، دفع المريض المبلغ كاملا، وعند وجوده داخل غرفة العمليات حضر طبيب آخر واقنعه بتركيب دعامة من نوع آخر، بدلا من النوع الذي جرى الاتفاق عليه، على اساس انها افضل وبذات المواصفات والكفالة، فوافق المريض على تغيير النوع.
وبعد اجراء العملية، قال المريض ان طول القضيب اصبح اقصر، كما عانى من الآثار والآلام التي تلت العملية، وعند مراجعته عيادة الطبيب، قام الطبيب بشراء جهاز شفاط وتسليمه للمريض، وساهم الجهاز في إطالة القضيب، لكنه كان يعود الى حالته السابقة بعد إزالة الجهاز.
وعلى اثر ذلك، تقدم المريض بالشكوى مطالبا بتبديل الدعامة، وجرى تحريك الملاحقة الجزائية بحق الطبيب بتهمة الغش في البضاعة خلافا لقانون العقوبات.
لماذا رفضت المحكمة اعتبار العملية «بيعا»؟
المحكمة، وبعد تدقيق كامل اوراق الدعوى والبينات المقدمة، انتقلت الى بحث مسالة جوهرية تتعلق بالتكييف القانوني للعلاقة بين الطبيب والمريض، قبل النظر في مدى توافر جرم الغش في البضاعة.
وبين القرار ان المادة 433 من قانون العقوبات تعاقب من يغش العاقد عن معرفة في طبيعة البضاعة او صفاتها الجوهرية او تركيبها او كميتها او نوعها او مصدرها، عندما يكون تعيين النوع او المصدر السبب الرئيسي للبيع، وتفرض العقوبة بالحبس من شهر الى سنة والغرامة من خمسة دنانير الى خمسين دينارا او باحدى هاتين العقوبتين.
واوضحت المحكمة ان قيام هذا الجرم يفترض وجود بضاعة ذات مواصفات محددة، وان الركن المادي يتمثل في تسليم بضاعة تختلف عن النوع او المواصفات المتفق عليها، الى جانب توافر القصد الجرمي لدى من قام ببيعها مع علمه باختلافها عما تم الاتفاق عليه.
لكن المحكمة رأت ان المسالة الاساسية في هذه القضية لا تتعلق فقط بنوع الدعامة التي تم تركيبها، وانما بطبيعة العقد بين الطرفين.
واستندت المحكمة الى اجتهادات قضائية سابقة، من بينها قرارات لمحكمة التمييز ومحكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية، خلصت الى ان جرم الغش في المبيع ينصرف الى عقود البيع، وليس الى عقود المقاولة والاشراف.
وبينت ان القاضي الجزائي قد تعترض طريقه مسائل مدنية مرتبطة بالدعوى الجزائية، الا ان هذه المسائل تخضع في جانبها الموضوعي للقواعد القانونية الخاصة بها، كما ان اثباتها لا يكون بجميع وسائل الاثبات، وانما بالطرق التي يقررها القانون للمسالة المدنية ذاتها.
واعتبرت المحكمة ان العلاقة بين المريض والطبيب في هذه القضية كانت عقد مقاولة وليست عقد بيع، لافتة الى ان عقود المقاولة قد تتضمن في بعض الحالات شراء مواد وتركيبها وتسليمها، الا ان العبرة تكون بطبيعة الاتفاق وارادة الطرفين.
واكد القرار ان العمل الطبي لا يعد عقد بيع، وانما يدخل في نطاق عقود المقاولة، خصوصا ان الاتفاق في هذه القضية كان على مبلغ مقطوع شامل للعملية الطبية، وليس على شراء منتج مستقل وبيعه للمريض.
5 آلاف دينار والدعامة التي غيرت مسار الشكوى
واعتبرت المحكمة ان هذا التكييف القانوني ادى الى انتفاء الركن المفترض لقيام جرم الغش في البضاعة، وبالتالي لم تعد هناك عناصر قانونية مكتملة يمكن اسناد المسؤولية الجزائية الى الطبيب على اساسها.
كما نظرت المحكمة في البينات التي قدمها المريض، ومن بينها فلاش ميموري يتضمن محادثات بينه وبين الطبيب بحسب ما ورد في شهادته، الا انها اعتبرت هذه البينة غير منتجة في الدعوى بعد انتفاء الركن القانوني الاساسي للجرم.
وكانت النيابة العامة قد اسندت الى الطبيب جرم الغش في البضاعة، فيما انكر المشتكى عليه ارتكاب الجرم المسند اليه خلال المحاكمة.
وبحسب ما رصده موقع صوت عمان من تفاصيل القرار، خلصت المحكمة في نهاية بحثها الى ان الواقعة لا تحقق عناصر جرم الغش في البضاعة، بسبب طبيعة العلاقة التعاقدية بين الطرفين وعدم قيام عقد بيع بالمعنى القانوني.
وعليه، قررت المحكمة اعلان عدم مسؤولية المشتكى عليه عن جرم الغش في البضاعة المسند اليه، لانتفاء العناصر المطلوبة قانونا في فعله.
