ينهمك عثمان قرشي احمد في ترميم الساعات العتيقة داخل متجره الصغير وسط السوق الافرنجي بالخرطوم، مستعيدا مهنة ورثها عن ابائه في مكان كان يوما ما ينبض بالحياة قبل ان تضربه رياح الحرب العنيفة.
واكد عثمان انه كان من اوائل الذين بادروا بفتح ابواب متاجرهم رغم الدمار الذي يحيط بالمكان، موضحا ان زبائنه بدأوا يتوافدون تدريجيا لاستعادة مقتنياتهم الثمينة التي توقفت عن العمل بسبب توقف النشاط التجاري الطويل.
وبين عثمان ان واقع العمل اليوم تغير كثيرا عما كان عليه في السابق، مشيرا الى ان غياب الكهرباء وتداعيات الاوضاع الامنية تفرض تحديات كبيرة تعيق استعادة وتيرة النشاط التجاري المعهود في قلب العاصمة.
تجارة وذاكرة في وسط الخرطوم
واضاف ان السوق كان لا ينام ليلا او نهارا، مشددا على ان العودة الحالية تمثل محاولة انسانية لاستعادة الروح للمكان، رغم ان معظم المحال المجاورة ما تزال مغلقة وتظهر عليها بوضوح اثار القصف العنيف.
واشار الى ان عددا من التجار قرروا العودة لممارسة انشطتهم رغم الضرر، موضحا ان هذا القرار جاء بدافع الارتباط العاطفي والذكريات العميقة التي تربطهم بهذه المنطقة التاريخية التي شكلت جزءا من هويتهم المهنية.
واكد ان استئناف الحركة التجارية يعتمد بشكل اساسي على عودة الزبائن، مبينا ان التكاتف بين التجار والمتسوقين هو السبيل الوحيد لاعادة الحياة الى شوارع السوق الافرنجي ومحال الملابس والاحذية والنظارات التي كانت مزدهرة.
عودة بعد الحرب
وكشف التاجر ابو القاسم علي ان المبادرة بدأت بثلاثة اشخاص فقط، موضحا ان العدد تزايد ليصل الى نحو مئة تاجر يحاولون جاهدين توفير بدائل للبضائع وتجاوز عقبات الصيانة المكلفة في ظل الظروف الصعبة.
واوضح ان بعض التجار اضطروا لعرض بضائعهم على طاولات متنقلة، مشيرا الى ان هذه الخطوة تعكس اصرارهم على البقاء في هذا المكان الذي يمثل رمزا للصمود والارتباط التاريخي بوسط الخرطوم المليء بالذكريات الثقافية.
واضاف محمد موسى داجو ان السوق لم يكن يوما مجرد مكان للبيع والشراء، مبينا انه كان ملتقى للمثقفين والفنانين، ومؤكدا ان العودة الحالية هي استعادة لنمط حياة وذكريات تراكمت على مدار عقود طويلة.
السوق في ذاكرة رواده
واكد الباحث الاجتماعي السمؤال ضياء الدين ان الاسواق القديمة تتحول الى جزء من الذاكرة الاجتماعية، موضحا ان عودة الناس تعكس رغبة فطرية في استعادة علاقتهم بالاماكن التي شكلت ملامح حياتهم اليومية وتفاصيلها الدقيقة.
واشار منتصر عبد الله احد رواد السوق الى انه صدم بحجم الدمار بعد غياب ثلاث سنوات، مبينا ان الحرب غيرت ملامح الكثير من المعالم لكنها لم تنجح في محو الذكريات الراسخة في وجدان الناس.
واوضح ان زيارة السوق اليوم تحمل مشاعر متناقضة، مشددا على ان بقاء التجار في اماكنهم يمنح الامل في ان يستعيد السوق الافرنجي بريقه السابق كوجهة اجتماعية وتجارية لا غنى عنها في قلب الخرطوم.
