كشف الخبير في شؤون الطاقة هاشم عقل ان الاردن يواجه في ظل الازمة الاقليمية الحالية ارتفاعا كبيرا في كلفة المشتقات النفطية، اكثر من مواجهته مشكلة في تامين الامدادات، مشيرا الى ان المملكة تمتلك بدائل متعددة للاستيراد ومخزونا من النفط الخام يكفي لنحو 55 الى 60 يوما وفق معدلات الاستهلاك الحالية.
وقال عقل ان ارتفاع كلفة النفط لا يرتبط بسعر برميل الخام وحده، وانما باتت عوامل التامين والنقل والمناولة وعلاوة المخاطر الناتجة عن التوترات الجيوسياسية تلعب دورا رئيسيا في تحديد الكلفة النهائية التي يتحملها المستورد.
وبين ان لجنة تسعير المشتقات النفطية لم تفعل معادلة التسعير خلال الاشهر الثلاثة الماضية، ما ابقى اسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية ثابتة رغم الارتفاعات التي شهدتها الاسواق العالمية.
واوضح ان تفعيل معادلة التسعير وفقا للاسعار العالمية الحالية سيقود الى رفع الاسعار محليا، الا ان اي زيادة محتملة لن تكون دفعة واحدة، مرجحا ان تبدا بحدود 20 الى 30 فلسا للتر، في حال قررت الحكومة تطبيق الزيادة.
واشار الى ان الحكومة تحاول الموازنة بين حماية المواطنين من ارتفاع اسعار المحروقات من جهة، وعدم زيادة الضغط على المالية العامة من جهة اخرى، الى جانب الحفاظ على القدرة الشرائية، لافتا الى ان التعامل التدريجي مع الارتفاعات قد يكون الخيار المطروح بانتظار تطورات الازمة الاقليمية والعالمية وما اذا كانت الاسعار ستعود الى مستويات اقل.
224 مليون دينار دعم المحروقات.. والديزل والكاز بلا ضريبة خاصة
وكشف عقل ان الدعم الحكومي المقدم للمشتقات النفطية بلغ حتى الشهر الماضي نحو 224 مليون دينار، متوقعا ارتفاعه الى نحو 260 مليون دينار مع نهاية الشهر الحالي.
واوضح ان هذه الارقام تمثل دعما تراكميا للاشهر الثلاثة الماضية، وليست قيمة الدعم لشهر واحد، ما يعكس حجم الكلفة التي تتحملها الحكومة نتيجة ابقاء اسعار المشتقات النفطية عند مستوياتها الحالية.
وبين ان الضريبة الخاصة المفروضة على مادتي الديزل والكاز اصبحت صفرية، بعد ان تجاوز الدعم الحكومي قيمة الضريبة التي كانت تبلغ نحو 16.5 قرشا، مشيرا الى ان الدعم اصبح يتجاوز ذلك بنحو 7 الى 8 قروش.
وبحسب عقل، فان الحكومة لا تحصل حاليا على الضريبة الخاصة على الديزل والكاز، في الوقت الذي تتحمل فيه كلفة الدعم، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الايرادات العامة.
واشار الى ان الارتفاع الحالي في كلفة الطاقة لا يمكن تفسيره بارتفاع سعر النفط الخام فقط، موضحا ان سلسلة الامداد بكاملها اعيد تسعيرها نتيجة الظروف الاستثنائية في المنطقة، بدءا من التامين والشحن والمناولة وصولا الى علاوة المخاطر.
وقال ان سعر النفط في بلد المنشا يكون معروفا، لكن الكلف الاضافية التي تضاف اليه نتيجة المخاطر الجيوسياسية هي التي ترفع السعر النهائي، لافتا الى ان اسواق النفط العالمية تتاثر عادة بعوامل اساسية من بينها العرض والطلب وقرارات وكالة الطاقة الدولية والمخزون الامريكي والطلب الصيني.
وبين ان هذه العوامل تراجعت في تاثيرها خلال المرحلة الحالية، لصالح المخاطر الجيوسياسية والتصريحات السياسية، موضحا ان صدور تصريحات متشددة من الاطراف الفاعلة قد يدفع الاسعار الى الارتفاع، بينما يمكن ان يؤدي الحديث عن التهدئة او بدء المفاوضات الى تراجعها.
ولفت عقل الى ان المخزونات الاستراتيجية لدى الدول المستهلكة تراجعت بشكل ملحوظ، مشيرا الى ان الدول الـ23 الاعضاء في وكالة الطاقة الدولية، ومن بينها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي وكندا، تعتمد على مخزونات استراتيجية لتامين احتياجاتها.
وأوضح ان الحد الادنى المتعارف عليه لهذه الدول يتراوح بين 90 و100 يوم من الاستهلاك، بينما تراجع المخزون الامريكي الى مستوى يكفي لنحو 40 يوما، ما يزيد حساسية الاسواق تجاه اي تطورات جيوسياسية جديدة.
وفي المقابل، اشار الى ان الاردن يمتلك نحو مليونين و200 الف برميل من النفط الخام، وهي كمية تكفي وفق معدلات الاستهلاك الحالية لنحو 55 الى 60 يوما، موضحا ان المخزون موجود في مرافق التخزين التابعة لمصفاة البترول في العقبة ومواقع اخرى.
وبين ان استهلاك المملكة يتراوح بين 35 و40 الف برميل يوميا، لافتا الى ان النفط الموجود في المخزون لم يشتر بالضرورة باسعار منخفضة، لان جزءا من الكلفة الحالية يرتبط بالتامين والنقل والمناولة وعلاوة المخاطر، وليس فقط بسعر شراء الخام.
واكد عقل ان الاردن لا يستورد النفط عبر مضيق هرمز، وان خطوط الامداد الخاصة بالمملكة مؤمنة، موضحا ان النفط الخام ياتي من ينبع في السعودية ومن العراق، فيما تستورد المملكة جزءا من المشتقات النفطية من السعودية عبر ميناء ينبع، وجزءا اخر من دول حوض البحر المتوسط.
وقال ان بقاء قناة السويس مفتوحة يمنح الاردن امكانية استيراد النفط الخام والمشتقات من مصادر مختلفة، وبالتالي فان التحدي الاساسي في المرحلة الحالية يتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد وليس في عدم توفر الامدادات.
وفيما يتعلق بالعراق، اوضح عقل ان الاتفاقية بين البلدين انتهت في شهر اذار الماضي، وان مفاوضات بدات لتمديدها وتجديدها، لكنها لم تصل حتى الان الى اتفاق جديد.
ونفى وجود خلاف سياسي واضح وراء عدم تجديد الاتفاقية، مبينا ان العراق كان يزود الاردن بالنفط من منطقة كركوك، وهو نفط خفيف ومتوسط يتناسب مع امكانات مصفاة البترول الاردنية.
واضاف ان العراق عرض تزويد الاردن بالنفط من البصرة بدلا من نفط كركوك، بهدف الاستفادة من نفط كركوك وتصديره الى الخارج عبر خط جيهان التركي، في حين يحتاج الاردن الى دراسة مدى ملاءمة نفط البصرة للمصفاة وقدرتها على تكريره.
واوضح ان هذه المسالة كانت احد اسباب توقف المباحثات عند هذا الجانب، مؤكدا عدم وجود خلافات بين البلدين.
كما اشار الى وجود كميات من زيت الوقود الثقيل مخزنة في مستودعات شركة "جوتك" الاردنية في العقبة لصالح شركات عراقية، موضحا انه جرى تصدير نحو 307 الاف برميل من هذا الزيت، فيما لا تزال الخزانات تحتوي على كميات لصالح الشركات العراقية.
العقبة والريشة والطاقة المحلية.. هل يملك الاردن مفاتيح خفض فاتورة الاستيراد؟
ورأى عقل ان الاردن يمتلك فرصة للتحول الى مركز اقليمي للطاقة، مستندا الى موقع المملكة والبنية التحتية الموجودة فيها، اضافة الى قرب ميناء العقبة من اسواق شرق اسيا.
وأوضح ان صادرات النفط العراقي تتجه الى دول شرق اسيا، ما يجعل نقل النفط عبر العقبة اقرب واقل كلفة من نقله عبر موانئ اخرى مثل جيهان التركي او الموانئ السورية، عند احتساب تكاليف النقل والرسوم والعبور في قناة السويس.
واشار الى وجود حديث عن مشروع خط انابيب نفط عراقي اردني يصل الى العقبة، معتبرا ان تنفيذ هذا المشروع يمكن ان يعزز اهمية الميناء في عمليات تصدير النفط العراقي.
وقال ان تحويل العقبة الى مركز اقليمي للطاقة يحتاج ايضا الى انشاء رصيف نفطي جديد، مشيرا الى ان مشروعا بهذا الخصوص سبق طرحه، ويمكن ان يسهم في زيادة عمليات المناولة والاستيراد والتصدير وتقليل فترة انتظار البواخر، خصوصا في ظل وجود ازدحام حالي في ميناء النفط.
وانتقل عقل الى ملف الغاز، موضحا ان الاردن يمتلك بنية تحتية تؤهله للعب دور اقليمي في هذا المجال، من بينها خط الغاز العربي ومحطة اعادة التغويز في العقبة.
واشار الى ان خط الغاز العربي ينقل الغاز من مصر باتجاه الاردن وسوريا ولبنان، وكان مخططا له ان يمتد الى تركيا، فيما توجد حاليا ترتيبات لتزويد سوريا بالغاز، واتفاق لتزويد لبنان بعد انتهاء اعمال الصيانة المتعلقة بشبكة الغاز هناك.
وقال ان هذه البنية التحتية، الى جانب موقع الاردن، تمنح المملكة فرصة لتقديم خدمات الطاقة لدول الجوار.
وفي ملف الطاقة المحلية، اشار عقل الى ان المملكة تمتلك مصادر متعددة تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والزيت الصخري والغاز الطبيعي المنتج محليا من حقل الريشة.
وبين ان التوقعات تشير الى امكانية وصول مساهمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الى نحو 50 بالمئة من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، فيما يوفر مشروع العطارات للزيت الصخري نحو 15 بالمئة من حاجة الاردن من الكهرباء، بحسب ما اورده.
واعتبر ان الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية يمنح المملكة قدرة اكبر على التحكم في الكلفة مقارنة بالطاقة المستوردة، ويقلل تعرض الاقتصاد لتقلبات الاسعار العالمية وتكاليف التامين والنقل والمخاطر.
وأوضح ان انتاج حقل الريشة من الغاز يتوقع ان يصل الى نحو 420 مليون قدم مكعب بحلول عامي 2029 و2030، ثم الى نحو 820 مليون قدم مكعب عام 2035، مقارنة باستهلاك محلي حالي يتراوح بين 340 و350 مليون قدم مكعب.
وبحسب عقل، فان ارتفاع الانتاج سيوفر كميات اضافية للسوق المحلية، مع امكانية تصدير الفائض الى دول الجوار مستقبلا.
واشار الى ان حقل الريشة ينتج حاليا نحو 80 مليون قدم مكعب، لكنه لا يستطيع الوصول الى كامل هذه القدرة بسبب عدم اكتمال قدرة نقل الغاز الى مواقع الاستهلاك.
واضاف ان العمل يجري على حفر ابار جديدة ليصل عددها الى نحو 80 بئرا، بهدف زيادة الانتاج وتغطية حاجة المملكة واتاحة كميات للتصدير مستقبلا.
واكد عقل اهمية مشروع ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي، معتبرا ان انجاز هذا الربط سيساعد على نقل الغاز الى مواقع الاستهلاك وزيادة الاستفادة من الانتاج المحلي.
وقال ان الحكومة تسعى ايضا الى تشجيع الصناعات على التحول الى استخدام الغاز الطبيعي، غير ان مد خطوط الغاز الى المنشات الصناعية يحتاج الى كلفة مالية، متوقعا انخفاض كلفة الغاز بعد اكتمال ربط الريشة بخط الغاز العربي وزيادة الانتاج.
واوضح ان توفير الطاقة باسعار اقل للقطاع الصناعي ينعكس على كلفة الانتاج والقدرة التنافسية، مشيرا الى ان القطاع الصناعي يشكل نحو 91 بالمئة من حجم الصادرات الاردنية.
واضاف ان الصادرات سجلت مع بداية هذا العام نموا بنسبة 23 بالمئة، معتبرا ان توفير طاقة اقل كلفة يمكن ان يدعم التوسع الصناعي وزيادة الصادرات واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
ولفت الى ان ارتفاع كلف الطاقة يمثل احدى ابرز شكاوى القطاع الصناعي، وان انخفاض هذه الكلف يمكن ان ينعكس على كلفة المنتج الصناعي وقدرته على المنافسة محليا وخارجيا.
وفيما يتعلق بالسيارات الكهربائية، رفض عقل النظر الى التحول نحوها باعتباره خسارة مباشرة لايرادات الدولة من المحروقات، موضحا ان تقليل استيراد الطاقة يعني في المقابل توفيرا في فاتورة الاستيراد.
وقال ان التخلص من نحو 50 بالمئة من مستوردات الطاقة يمكن ان يوفر على الخزينة نحو 2.5 مليار دولار، مشيرا الى ان تقليل استيراد الطاقة يحافظ على العملات الاجنبية داخل الاقتصاد.
واضاف ان الدول تسعى بصورة عامة الى زيادة الصادرات وتقليل الواردات وتحقيق ميزان مدفوعات مريح، وان الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية يقلل استنزاف العملات الاجنبية في شراء النفط ومشتقاته.
واوضح عقل ان الاعتماد على المصادر المحلية للطاقة يعني الاحتفاظ بجزء اكبر من احتياطي العملات الاجنبية بدلا من انفاقه على استيراد النفط والمشتقات، مشيرا الى ان تراكم الاحتياطيات من العملات الاجنبية والذهب يدعم قوة الدينار والاقتصاد، ويوفر موارد يمكن توجيهها الى مشاريع استثمارية داخل المملكة.
واكد ان الاعتماد على الغاز المحلي والزيت الصخري والطاقة المتجددة والنفط المحلي المحتمل يقلل تعرض الاردن لتقلبات اسعار الطاقة العالمية، مبينا ان المنتج المحلي لا يخضع بالدرجة نفسها لتقلبات الاسعار وتكاليف النقل والتامين والمخاطر التي ترافق الطاقة المستوردة.
وفي ختام حديثه، اشار عقل الى ان الحكومة تواجه خيارات صعبة في التعامل مع ارتفاع اسعار النفط، اذ ان رفع الاسعار يضغط على المواطنين ويرفع كلف النقل والسلع والخدمات، بينما يؤدي استمرار تثبيت الاسعار الى زيادة كلفة الدعم والضغط على المالية العامة.
وقال ان المرحلة الحالية تحتاج الى التعامل التدريجي مع الاسعار ومراقبة تطورات الاسواق، بالتوازي مع تسريع العمل على مصادر الطاقة المحلية والبنية التحتية التي يمكن ان تعزز امن الطاقة في الاردن.
واعتبر ان المملكة تمتلك فرصا في النفط والغاز والطاقة المتجددة والزيت الصخري وميناء العقبة، وان حسن ادارة هذه الموارد والمشاريع يمكن ان يقلل الاعتماد على الاستيراد، ويعزز قدرة الاردن على مواجهة ازمات الطاقة مستقبلا.
