تنتشر في شوارع مدينة نابلس اصوات الطرق على الصاج التي تخرج من مشغل سمكرة الاخلاص العريق حيث يكرس الشقيقان يوسف وسعيد الترتير حياتهما للحفاظ على مهنة الاجداد في صناعة اهلة وقباب ومآذن المساجد.
وتعكس هذه الورشة الصغيرة تفاصيل دقيقة لمهنة تراثية بدات منذ عقود طويلة ولا تزال قائمة بفضل اصرار الشقيقين على حماية هذا الفن اليدوي النادر الذي يواجه خطر الاندثار في ظل غياب جيل جديد يكمل المسيرة.
وبين الشقيقان ان دافعهما الاساسي للعمل هو الحب والشغف بهذه الحرفة التي تجعلهما الوحيدين في فلسطين اللذين يتقنان هذا النوع من التصنيع اليدوي الدقيق الذي يزين مساجد البلاد بلمسات فنية لا يمكن لاي آلة تقليدها.
سر المهنة واحترافية التصنيع
وقال يوسف الترتير انه تعلم الصنعة من والده فور تخرجه من المدرسة ليجد لاحقا بصمته الخاصة في العديد من المساجد الفلسطينية وهو ما يمنحه شعورا كبيرا بالفخر والاعتزاز بهذا الانجاز المهني الذي ورثه.
اقرأ أيضا :
واضاف ان عملية تشكيل الصاج تتطلب حسابات هندسية غاية في الدقة حيث ان صناعة هلال واحد تحتاج الى قياسات مضبوطة لا تقبل الخطأ ولو بسنتيمتر واحد لضمان جمالية الشكل الخارجي وتناسقه مع المئذنة.
واكد ان سر التميز يكمن في استخدام الماكينات والالات اليدوية القديمة التي توارثها عن والده وجده حيث توفر هذه الادوات تحكما دقيقا في النقوش والزخارف التي يصعب تنفيذها باستخدام التكنولوجيا الحديثة المتوفرة في الاسواق.
جودة المنتج المحلي مقابل المستورد
واوضح سعيد الترتير ان المشغل لا يقتصر على الاهلة بل ينتج ايضا مداخن الصوبات وكل ما يحتاجه الناس من صاج مؤكدا ان المهنة ممتعة وتمنحه شعورا بالانتماء لتاريخ عائلته الذي بدا منذ سنوات طويلة.
وبين ان صناعة المئذنة تمر بمراحل معقدة تبدا من الماسورة وتمر بالطبب والرمانات وصولا الى الهلال المزين بكلمة التوحيد موضحا ان المنتج المحلي يتميز بالمتانة والجمال مقارنة بالمنتجات المستوردة التي تجمع بالبراغي وتفتقر للجودة.
واشار الى ان الفرق الجوهري يكمن في ان المنتجات المستوردة معرضة للكسر سريعا ولا توفر الثبات المطلوب عند تركيبها على المآذن مما يجعل الحرفة اليدوية خيارا اكثر امانا واستدامة للمساجد التي تبحث عن الجودة.
تحديات المهنة ومستقبل الحرفة
وكشف الشقيقان ان اغلاق الطرق والحواجز العسكرية الاسرائيلية يمثل عائقا كبيرا امام وصول منتجاتهما الى مختلف المدن الفلسطينية التي تعتمد على ابداعهما في تزيين المساجد من شمال الضفة الغربية وصولا الى مناطق الخط الاخضر.
واضاف ان معضلة عزوف الابناء عن تعلم هذه الصنعة تعد التحدي الاكبر الذي يواجه مستقبل المشغل حيث يفضل الجيل الجديد التوجه نحو مهن مختلفة تاركين خلفهم ارثا عائليا يمتد لعقود من الزمن في نابلس.
وشدد يوسف وسعيد في ختام حديثهما على ضرورة ان يهتم الشباب بتعلم المهن الحرفية الى جانب التعليم الاكاديمي مؤكدين ان امتلاك صنعة يدوية يعد سلاحا قويا لمواجهة مصاعب الحياة وتامين مستقبل مستقر في ظل الظروف الراهنة.
