في سباق محموم نحو تطوير الحوسبة الكمية، كشفت شركة انفيديا الامريكية عن اطلاق عائلة نماذج ايزينغ، وهي اول نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر، مصممة خصيصا لتسريع بناء معالجات كمومية قادرة على تشغيل تطبيقات حقيقية.
وسميت هذه النماذج تيمنا بنموذج رياضي شهير يستخدم في الفيزياء الاحصائية لوصف التفاعلات بين الذرات، لكن انفيديا، التي يتركز نشاطها الرئيسي على وحدات معالجة الرسومات التي تدعم الذكاء الاصطناعي، حولته الى اداة ذكاء اصطناعي برؤية رقمية حديثة.
ومن المتوقع ان يتجاوز حجم سوق الحوسبة الكمية 11 مليار دولار امريكي عام 2030، وفقا لشركة الابحاث ريزونانس، ولكن هذا النمو يعتمد بشكل كبير على التقدم المستمر في معالجة التحديات الهندسية الاساسية مثل تصحيح الاخطاء الكمية.
نماذج ايزينغ من انفيديا: حلول مبتكرة لتحديات الحوسبة الكمومية
في السنوات الاخيرة، واجهت الحوسبة الكمية تحديين رئيسيين من اجل ايجاد تطبيقات مفيدة، يتمثلان في تصحيح الاخطاء الكمية والمعايرة في الوقت الفعلي، وتستهدف نماذج ايزينغ كليهما مباشرة، مما يفتح الباب امام انظمة هجينة تجمع بين الحواسيب الكمية والتقليدية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة انفيديا جنسن هوانغ ان "الذكاء الاصطناعي ضروري لجعل الحوسبة الكمية عملية، ومع نماذج ايزينغ، يصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة نظام التشغيل للالات الكمية".
وتشمل عائلة ايزينغ نموذجين مفتوحي المصدر بالكامل لتصحيح الاخطاء في الوقت الفعلي والمعايرة، ويتوفران عبر هاغينغ فيس وغيت هاب، مع اطارات تدريب ومجموعات بيانات كاملة بترخيص من انفيديا يسمح بالتعديل والتدريب المحلي دون مشاركة البيانات.
ويفسر النموذج المخصص للمعايرة ايزينغ كاليبريشين النتائج الواردة من المعالجات الكمية ويقترح اجراءات معايرة تلقائية من خلال وكلاء الذكاء الاصطناعي لاتمتة مهام معايرة وحدة المعالجة الكمية، مما يقلل وقت التشغيل اللازم من ايام الى ساعات.
وتحتاج الكيوبتات في الحواسيب الكمية الى معايرة دقيقة ومستمرة لضمان عملها بالتناغم المطلوب، ويتنبا ايزينغ كاليبريشين بالانحرافات في اداء الكيوبتات ويصححها لحظيا قبل ان تؤدي الى فشل الحسابات.
ويحتوي نموذج الرؤية اللغوية هذا على 35 مليار معلمة، وهو مدرب على بيانات متعددة الوسائط من انواع مختلفة من وحدات المعالجة الكمية، ويتفوق على نماذج كبيرة اخرى في اختبار "كيو كال ايفال" الجديد الذي يقيس اداء المعايرة الكمية.
وتعتمد اساليب المعايرة التقليدية على الفيزيائيين او عمليات معايرة محددة مسبقا لضبط الانظمة قبل كل تشغيل، بينما صممت انفيديا نموذج ايزينغ كاليبريشين لاعادة المعايرة المستمرة مع تغيرات الاجهزة بمرور الوقت، الامر الذي يسمح بتوسيع الانظمة بشكل اكبر بكثير.
في حين ياتي نموذج تصحيح الاخطاء ايزينغ دي كودينغ بصفته طبقة تكميلية وليست بديلة للاساليب الحالية، ويتوفر بنموذجين من الشبكات العصبية الثلاثية الابعاد، احدهما محسن للسرعة والاخر للدقة.
ويعمل هذا النموذج كوحدة تصحيح اخطاء اولية تستخدم الشبكات العصبية لمعالجة البيانات او اشارات الخطا المستمدة من قياسات الكيوبت وتصحيح جزء كبير من الاخطاء قبل تمرير البيانات المعالجة الى الخوارزميات التقليدية.
وبينما تهتم المعايرة بالوقاية، يختص نموذج تصحيح الاخطاء بالعلاج، حيث يراقب هذا النموذج مخرجات الحاسوب الكمي، ويحدد الضجيج ويفصله عن البيانات الحقيقية بدقة، وذلك بفضل تدريبه على مليارات السيناريوهات من انماط الخطا.
ويهدف هذا النهج الهجين الى تحسين السرعة والدقة مع الحفاظ على التوافق مع مسارات تصحيح الاخطاء الحالية، والاندماج مع منصة الحوسبة الهجينة الكمية التقليدية كودا-كيو وتقنية ربط وحدات المعالجة الكمية بوحدات معالجة الرسومات "ان في كيو لينك".
كيف تعالج نماذج انفيديا اخطاء الحواسيب الكمومية؟
ترتكب افضل المعالجات الكمية خطا واحدا تقريبا في كل الف عملية، وينبغي ان ينخفض هذا الرقم الى واحد في التريليون او حتى اقل لكي تصبح هذه المعالجات مفيدة في حل المشكلات العلمية والتجارية المهمة.
وهنا ياتي دور المعايرة الكمية، التي تعرف بانها عملية ضبط مستمرة لمعايير التحكم لضمان استمرار عمل المعالجات الكمية، وهي مهمة غالبا ما يقوم بها علماء الفيزياء الكمية او خوارزميات الية بسيطة.
اما خوارزميات تصحيح الخطا، فانها تستخدم لمعالجة الاخطاء الكمية عبر تقنيات متطورة تحمي المعلومات الكمية من الاخطاء الناجمة عن ضجيج الكيوبت من خلال ترتيب الكيوبت الفيزيائي في شبكة ثنائية الابعاد وتكرار المعلومات عبرها، الامر الذي يشكل الكيوبت المنطقي المحمي.
وتتطلب هذه العملية مراقبة ملايين القياسات في الوقت الفعلي وتصحيح الخطا بسرعة تفوق معدل حدوث الخطا، اي في اجزاء من المليون من الثانية، في حين تقلل دقة رصد وتصحيح الاخطاء عدد الكيوبتات الفيزيائية اللازمة لانشاء كيوبت منطقي.
وهنا تبرز قوة نموذج ايزينغ دي كودينغ، الذي يقدم وفق اختبارات انفيديا الرسمية اداء اسرع بمقدار 2.5 مرة ودقة اعلى بمقدار 3 مرات مقارنة بالمعيار المفتوح المصدر الحالي، مع حاجة اقل بمقدار 10 اضعاف لبيانات التدريب.
ويدفع التنافس الى الابتكار، حيث تسرع انفيديا الطريق الى الاستخدام عبر الذكاء الاصطناعي، بينما تبني اي بي ام الاساس المادي خطوة بخطوة، مع تعاون محتمل، حيث تدعم انفيديا وحدات المعالجة الكمية من اي بي ام.
السباق الكمي: منافسة جيوسياسية على اشدها
بعد ان كانت مجرد مسالة علمية، اصبحت الحوسبة الكمية ركيزة للامن القومي واداة لفرض السيادة الوطنية، اذ ان الدول التي تمتلك القدرة على كسر التشفير التقليدي او اكتشاف مواد كيميائية جديدة عبر المحاكاة الكمية ستقود القرن الحادي والعشرين.
وتسعى الولايات المتحدة من خلال اي بي ام وانفيديا الى الحفاظ على ريادتها، وايجاد منظومة مفتوحة تجذب المواهب العالمية، ووضع معايير الصناعة.
في حين تركز الصين بشكل مكثف على الاتصالات الكمية والاجهزة المادية، محاولة بناء شبكة انترنت كمية غير قابلة للاختراق، مما يضع نماذج ايزينغ في مواجهة مباشرة مع الابحاث الصينية في مجال تصحيح الاخطاء المعتمدة على الذكاء الاصطناعي المحلي.
بينما تجد دول الاتحاد الاوروبي في نماذج انفيديا المفتوحة فرصة لتقليص الفجوة دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في بناء حواسيب كمية عملاقة، مما يعزز قدرة الشركات الناشئة الاوروبية في مجالات الكيمياء الحيوية والتمويل.
ختاما، يمثل اطلاق نماذج ايزينغ اعلانا بان الحوسبة الكمية لم تعد حبيسة المختبرات الفيزيائية، الى جانب كونه يبشر ببداية عصر جديد يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكا اساسيا لاحداث الثورة الكمية التي لم تعد حلما بعيد المنال.
وبينما تسابق اي بي ام الزمن للوصول الى الفائدة الكمية، تقدم انفيديا الادوات التي تجعل هذا التقدم قابلا للتوسع عالميا، اذ ان المستقبل هو نظام هجين ذكي مفتوح يحل مشكلات البشرية الكبرى، وليس حاسوبا كميا واحدا.
