راكان السعايدة
تشرذم الدول العربية حقيقة، وتناقض مصالحها وحساباتها حقيقة، والعمل ضد بعضها البعض حقيقة، واستغلالها لبعضها البعض لتحسين مكاسبها حقيقة.
فهذه الدول لا يجمعها جامع؛ لا جامعة الدول العربية المعتلة والفاقدة للدور والأثر (...) ولا هذه الدول استطاعت، أو بالأصح سُمح لها، ببناء منظومة إقليمية تشبه منظومة الاتحاد الأوروبي لتدير مصالحها وتحمي بعضها بعضًا.
هذا الواقع لم يولد طبيعيًا، ولا أدّى إليه تطور التاريخ؛ هذا الواقع تمت هندسته أمريكيًا وإسرائيليًا وبريطانيًا عبر زرع الشك وعدم الثقة بين الدول العربية، والتأكد من ألا تلتقي إلا في صغائر الأمور.
وبهذا ضمن من هندسوا هذا الواقع، بعد أن خلقوا له أسبابه الذاتية والموضوعية، اقتناع كل دولة عربية بأن البقاء والفناء وتحقيق المصالح رهن شدة ارتباطها بالمهندسين، خضوعًا وتبعية.
هل هذا قدر؟
بالتأكيد ليس قدرًا لا يمكن الانفكاك منه، فما يشهده الإقليم الآن قد يكون فرصة العرب التاريخية لبناء منظومتهم الخاصة، وقد تبدى لهم أن أمريكا تتراجع عالميًا، و"إسرائيل" تتآكل، وتحاولان إخفاء ذلك بالقوة النارية، حصنهما الأخير.
ومثل هذه الفرصة تحتاج إلى إرادة وعزيمة لاستغلالها، ولا أظن أن أيًا منهما متاح الآن، والسبب البسيط أن عوامل بناء الثقة ونزع الشكوك غير متوفرة.
والمعنى؟.. المعنى أن الأردن، وسط هذا الواقع الصعب والغموض الذي يحيط بمستقبل الإقليم شكلًا ومضمونًا، يحتاج إلى مقاربته الخاصة التي تأخذ بالاعتبار أن:
أولًا: الدول العربية ليست على قلب رجل واحد، وأن كل دولة تعمل لمصلحتها الذاتية، حتى لو ارتقت على ظهر دولة عربية أخرى لتحقيقها.
ثانيًا: مستوى ارتباط كل دولة عربية بأمريكا و"إسرائيل" مختلف باختلاف حجم المصالح التي تحققها أمريكا و"إسرائيل" منها، والدور الوظيفي المطلوب منها.
ثالثًا: تناقض المصالح بين الدول العربية هائل، ومحاولة إظهار أن الدول العربية يربطها مصير مشترك هو إظهار زائف، إلا بالقدر الذي يخدم من يحاول إظهار ذلك.
رابعًا: ليس في وارد العرب الآن أن يتفقوا على مستقبلهم وأن يوحدوا موقفهم لحماية أنفسهم ومصالحهم، فما يقال عن المصالح المشتركة في العلن غير ما يقال في السر.
هذه الاعتبارات، وغيرها، تستدعي من المؤسسات السيادية ومستويات القرار السياسي أن تفحص الواقع العربي جيدًا، لاستكشاف القدر الذي يمكن للأردن فيه أن يراهن على العرب إذا ما احتاجهم في يوم مفصلي لمساندته وحماية وجوده ومصالحه.
ما أريد قوله بوضوح؟
أن حسابات الأردن مختلفة، بأعلى النسب، عن حسابات أية دولة عربية أخرى، ذلك أن الأردن، وهذه حقيقة، الأكثر عرضة لمخاطر ما يجري في الإقليم ونتائج المواجهة بين أمريكا و"إسرائيل" وإيران.
لأن الأردن، في الذهنية الأمريكية و"الإسرائيلية"، جغرافيا الحل لتصفية القضية الفلسطينية، والأردن دون سواه من الدول العربية سيتحمل كلفة هذه التصفية.
لذلك، عندما نقول إن حسابات الأردن مختلفة ويجب أن تكون مختلفة، فليس لأننا نقول ذلك، بل لأن الواقع على الأرض وحقائق التاريخ تقول ذلك، والتصدي لا يكون بمقاربة الحسابات الأردنية مع الحسابات العربية، بل بمقاربة الحسابات العربية مع الحسابات الأردنية.
نعم، حسابات العرب يجب أن تتقارب مع حسابات الأردن، وليس العكس، لأنه الدولة الأولى بلا منازع على رأس قائمة الدول العربية المعرضة للمخاطر، وقد هيأت "إسرائيل" بيئة الضفة الغربية والقدس وغزة لتصدير هذه المخاطر للأردن في أية لحظة.
أثق بمؤسساتنا السيادية وبمستويات القرار السياسي في التقاط الفرق في الحسابات، ولهذا لا بد أن يعمل الأردن على مقاربة تراعي هذا الفرق، بحنكة وذكاء، لتجاوز المخاطر، مع ما يتطلبه ذلك من:
أولًا: إعادة قراءة مستوى خطر المشروع الإسرائيلي على الأردن، بقراءة وتقييم الإجراءات التي يقوم بها على الأرض وما يخطط له في الغرف العسكرية والسياسية.
ثانيًا: إعادة قراءة وتقييم صلابة التحالف مع أمريكا، وإلى أي حد تلتزم واشنطن بهذا التحالف إذا قررت "إسرائيل" تنفيذ مشروعها.
ثالثًا: إعادة تقييم حسابات كل الدول العربية: الخليج، العراق، سوريا، لبنان، ومصر، لفهم مقدار التقارب والتباعد بين هذه الحسابات وحسابات الأردن، لأن معرفة مقدار التناقض والتقارب تساعد في تقييم أردني موضوعي لما يُتوقع من العرب عند الحاجة.
رابعًا: إعادة تقييم وفهم مواقف تركيا وإيران وأوروبا والصين وروسيا والمغرب العربي، لا يقل أهمية، لأن فحص مواقف هذه الدول يسهم في تقدير ما يمكن أن تقدمه للأردن في مواجهة المخاطر.
خامسًا، وهذا هو الأهم: على الأردن أن يطرح سؤالًا ويجيب عليه: ماذا لو تفاهمت أمريكا و"إسرائيل" مع إيران على تقاسم النفوذ في المنطقة؟ ما هي مكاسب الأردن، وما الذي سيخسره؟
إن فهم الواقع بعيدًا عن العواطف والثقة الزائدة والرهانات غير الواقعية والحسابات غير الدقيقة هو الأساس الموضوعي لتحديد شكل ومضمون الاشتباك مع مآلات ما يجري في الإقليم ومخاطره.
فأي خطأ في الحسابات مكلف، ومكلف جدًا.
للحديث تكملة..
