تتصاعد المخاوف لدى حلفاء واشنطن في أوروبا بشأن المسار الذي تتخذه المفاوضات مع إيران، حيث يرى دبلوماسيون مطلعون أن فريق التفاوض الأميركي قد يميل نحو اتفاق سريع مع طهران، وهو ما قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى ترسيخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.
واعرب هؤلاء الدبلوماسيون عن قلقهم من أن الإدارة الأميركية قد تسعى، في ظل رغبتها في تحقيق إنجاز دبلوماسي، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، دون معالجة جميع القضايا الجوهرية، الأمر الذي قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة قد تستمر لأشهر أو حتى لسنوات.
وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد ثمانية دبلوماسيين تحدثوا إلى رويترز، وعملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: "القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل".
مخاوف من تهميش الدور الأوروبي في المفاوضات النووية
وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات، وقالت المتحدثة آنا كيلي إن "الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً".
وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003، إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية، وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.
لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه "أحادي الجانب بشكل رهيب".
تباين وجهات النظر يعقد التوصل لاتفاق مستدام
وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، وركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية، وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.
ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.
وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: "استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً، هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟".
مقترحات وحلول محتملة للملف النووي الإيراني
واشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية، إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.
وقال دبلوماسي أوروبي: "يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى".
وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.
خيارات مطروحة لتخفيف التوتر حول تخصيب اليورانيوم
ويطرح خيار "تخفيف التركيز" داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج، وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.
لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن، كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.
وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: "ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق، لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة".
خلافات مستمرة حول حق إيران في تخصيب اليورانيوم
وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم، فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.
ويطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.
وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.
تعقيدات التفاوض تتطلب الدقة والتركيز
وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: "المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة، هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة".
في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.
وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.
وجهات نظر متباينة حول رفع العقوبات والضمانات المطلوبة
ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.
وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: "هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة"، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.
واشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.
مطالب إقليمية وضغوط متبادلة تعقد المشهد
ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.
في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.
على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.
تحديات تواجه التوصل لاتفاق شامل
ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.
واقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب، لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.
نقص الخبرة يثير القلق بشأن مستقبل الاتفاق
وقال مسؤول أوروبي: "ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي، لقد عملنا على هذا الملف لعقدين"، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.
في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.
