في قلب مخيم قلنديا شمالي القدس المحتلة، تعيش عائلات فلسطينية تحت وطأة الخوف والقلق الدائمين، مترقبة اقتحام قوات الاحتلال لمنازلها في أي لحظة، فالمشهد يتكرر بصورة شبه يومية، مخلفا وراءه قصصا مأساوية.
وتستحضر الفلسطينية أمل مناصرة، البالغة من العمر 65 عاما، مشاهد الدماء التي رافقت اعتقال أبنائها الثلاثة، بعد أن تعرض منزلها للاقتحام والتدمير المتكرر، حيث تشاطر عائلة مناصرة ما يقارب 25 ألف لاجئ في مخيم قلنديا ذات المشاعر والمصير.
هؤلاء اللاجئون الذين هجروا قسرا من قراهم الأصلية، مثل بئر ماعين وساريس وقشوع وبرفيليا واللد والرملة ويافا والقدس، يواجهون واقعا قاسيا يتمثل في اقتحام جيش الاحتلال للمخيم، والذي أصبح جزءا من حياتهم اليومية.
ثلاثة أبناء في السجون
تروي الأم تفاصيل الاقتحام الأول لمنزلها في أكتوبر 2023، حين اعتُقل ابنها محمد، البالغ من العمر 28 عاما، والذي يقضي حاليا حكما بالسجن الفعلي لمدة 30 شهرا، ففي تلك اللحظة، احتجز جنود الاحتلال محمد وشقيقيه أحمد وأنس، واعتدوا عليهم بالضرب المبرح داخل إحدى الغرف.
ولم يكتفِ جنود الاحتلال بذلك، بل قاموا بتعذيب أنس، عبر وضع رأسه داخل أحد أدراج الخزائن ورطمه لأكثر من مرة، حتى تركوه ينزف، وبينما كانت العائلة تستعد لإتمام حفل زفاف محمد، جاء الاعتقال ليُفْسِد فرحتهم.
واضافت الأم قائلة: "لم أُميّز لِمَن الاعتقال هذه المرة، هل هو لأنس أم لأحمد!" وبينت أنه بعد مغادرة الجنود، وجدت أحمد مُلقى على سريره ويتألم من شدة الضرب، لتدرك حينها أن أنس هو الذي اعتُقل، مشيرة إلى أن أنس ما زال موقوفا ويعاني من إصابة قديمة في قدمه، ويمنع الاحتلال إدخال أدويته إلى سجن عوفر.
تدمير مقومات حياة سكان المخيم
وفي أكتوبر 2024، حاصر جيش الاحتلال منزل العائلة مجددا، بعد تفجير الباب، لاعتقال أحمد، البالغ من العمر 20 عاما، وعن ذلك الاعتداء، قالت الأم إن الجيش احتجز شقيقة أحمد ووالده كأسلوب للضغط عليه، واعتدوا عليه بالضرب، مع التركيز على منطقة القلب.
وفي هذا السياق، قال جهاد مناصرة، والد الأسرى، إن أحد الجنود قام بضربه مرتين على قلبه، وقال له: "أعرف أنك مريض قلب"، مشيرا إلى أن الاقتحامات لم تقتصر على الاعتقالات، بل وصلت إلى تدمير كافة ممتلكات المنزل ليصبح غير قابل للعيش.
كما تصف أمل كيف دمَّر جنود الاحتلال المنزل وبعض مرافقه، فحطموا الأبواب والنوافذ وأتلفوا الأجهزة الكهربائية والأثاث، مؤكدة أنهم لم يتمكنوا من إصلاح ما دمَّره الاحتلال لكثرته.
وبقلبٍ مثقلٍ، ختمت والدة الأسرى الثلاثة حديثها، قائلة: "ما قدرت أحمي أحمد ومحمد وأنس.. عجّبوا عليهم! وكيف ظليت وما أُصبت بجلطة بعدهم"، مشيرة إلى أنهم يقبعون حاليا خلف قضبان سجن عوفر، وقد انقطعت أخبارهم وانعدمت سبل التواصل معهم.
أكثر من 100 شهيد
ووفقا لبيانات مركز قلنديا الإعلامي، فإنه منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، ارتقى 11 شهيدا من أبناء مخيم قلنديا، كما قدم 102 شهيدا منذ حرب النكسة عام 1967.
من جهتها، قالت الصحفية أسيل صبحي، التي تنحدر من قرية لفتا المقدسية المهجرة وتعيش في مخيم قلنديا، إن الاحتلال الإسرائيلي ينتهج عددا من الممارسات تجاه المخيم، والتي أخذت طابعا أكثر شراسة ووحشية بعد السابع من أكتوبر 2023، وتلتقي هذه الممارسات مع المشهد السياسي العام في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
واضافت أن قوات الاحتلال تقتحم المنطقة في جميع الأوقات، ولم يعد الاقتحام يقتصر على ساعات الليل أو الفجر، وإنما في أوقات الذروة أيضا، وخلال الاقتحام يتسبب الجيش بأزمة مرورية تُعطّل الحركة في الشارع الرئيسي ومنطقة كفر، وهو الشارع منذف رام الله نحو القدس وجنوبي الضفة.
ترويض المخيم المنتفض
واكدت الصحفية المقدسية أنه حتى عند انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، فإنها تتعمد إطلاق النار وقنابل الغاز والصوت تجاه منازل الأهالي والمارة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد علي علقم وإبراهيم زايد.
وبينت أن قوات الاحتلال تقوم بتدمير المنازل وسرقتها والاعتداء على أهلها خلال تنفيذ عمليات الاعتقال، بالإضافة إلى تعمد أفراده تنفيذ حملات اعتقال جماعية بحق أبناء المخيم، يتعرضون خلالها للتنكيل والضرب، قبل أن يُطلق سراحهم في ساعات الصباح.
وترجح أسيل صبحي أن الهدف من كل ذلك يكمن في محاولة السيطرة على مخيم قلنديا ومنع أي إسناد حقيقي خلال حرب الإبادة، عبر ترهيب الأهالي بشكل جماعي وشخصي على يد ضباط المخابرات الإسرائيليين، بالإضافة للأخبار التي تتوارد حول أوضاع السجون والقمع الذي يتعرض له الأسرى داخلها.
وانعكس هذا بطبيعة الحال على المشهد في مخيم قلنديا من حيث مدى مشاركته السياسية الفاعلة على أرض الواقع، حيث اكدت الصحفية صبحي أنه خلال الحرب تراجع دور المخيم، رغم أن أبناءه كانوا يقودون عددا من المسيرات والوقفات المساندة للأسرى ولقطاع غزة.
بقالة صغيرة وعيش مر
وتؤثر الاقتحامات شبه اليومية على مصالح المخيم الاقتصادية، وللاطلاع على ذلك، زارت الجزيرة نت بقالة العم يوسف أبو لطيفة، البالغ من العمر 72 عاما، ليروي تجربته كصاحب بقالة أسسها قبل 14 عاما، بُعيد إغلاق الفندق الذي عمل فيه موظفا لمدة 37 عاما في مدينة القدس المحتلة.
وتُشكِّل هذه البقالة مصدر رزقه الوحيد في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ومن خلالها يُحافظ على علاقاته الاجتماعية مع الجيران والأصدقاء، ويجنب نفسه الوحدة في هذا السنّ المتقدم.
ويصف المسن اقتحام الجيش للمخيم بالعقاب الجماعي لسكانه، إذ يُجبره وجميع من يملكون مصالح تجارية على إغلاق أبوابها مع كل اقتحام، خوفا من الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، ونتيجة الإغلاق أخسر يوما كاملا من العمل، وقد يمتد هذا الاقتحام إلى أيام.
وتؤثر الإغلاقات المتتالية بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي لأصحاب المصالح الصغيرة في مخيم قلنديا، وبينما يتحدث معنا أشار بيده إلى محتويات بقّالته قائلا: "البقالة شبه فارغة وأجد صعوبة في تأمين البضاعة وسداد قيمتها للتجار.. وبعض الأهالي يُجبرون على أخذ ما يحتاجونه وسداد المال لاحقا نظرا للوضع الاقتصادي الصعب".
واوضح يوسف أو أبو شادي -كما يلقبه أبناء المخيم- أنه يعيش الأوضاع الاقتصادية ذاتها، ويصفها بالأسوأ من السابق، فهو على يقين بوجود عائلات مستورة تعاني الجوع دون أن تُقدم لها أي مساعدة أو دعم.
هدم كُشك الاسترزاق والتواصل الاجتماعي
وعند المدخل الرئيسي لمخيم قلنديا، يجلس نوح الأعرج، البالغ من العمر 65 عاما، في كُشكٍ صغير يُعِدُّ فيه المشروبات الساخنة لأبناء المخيم والمارّة المتجهين إلى مدينة رام الله، وهذا الكُشك هو الثاني له، بعد أن دُمِّر الأول وهُدِم خلال اقتحام لقوات الاحتلال للمخيم ومحيطه في يناير الماضي.
وقال الأعرج إن هذا الكُشك يُعيل 7 أفراد منذ نحو 5 أعوام، ويُعَدّ أيضا مساحة للتفاعل الاجتماعي بين أبناء المخيم، وحلقة وصل بينه وبين زملائه الأسرى المحررين القادمين من مختلف مدن الضفة الغربية.
واستحضر هذا المسن لحظة تدمير مصدر رزقه وأرزاق العشرات من أبناء المنطقة، قائلا: "هدم جيش الاحتلال الكشك دون سابق إنذار، ولم نكن نتوقع هذا الدمار؛ فقد خسرت ما يقارب 10 آلاف شيكل، وطُمِست معالم المنطقة التي أعمل فيها، وهدموا أيضا صرح الشهداء الذي كنا نجلس أمامه".
واستطرد الأعرج قائلا: "في كل مرة يقتحمون فيها المنطقة، نُجبر على إغلاق الأكشاك والمحال التجارية خشية تكرار سياسة الهدم، وتجنبا للتعرض للغاز المسيل للدموع والرصاص الحي".
ويرى هذا الستيني أن صموده هو تجسيدٌ لتمسكه بحق العودة، وفي المقابل، يرى أن سياسات الهدم والاقتحامات تهدف إلى تهجير اللاجئين من المخيم وقطع سبل العيش الكريم والاستقرار في المنطقة، مختتما حديثه بالقول: "ما بدهم لاجئين.. طيب يرجعونا على عرتوف وقرانا المهجرة".
