في السنوات الاخيرة، تجاوز الاهتمام بالعناية بالبشرة حدود البالغين والمراهقين ليشمل الاطفال في سن مبكرة، مدفوعا بانتشار مقاطع روتين العناية بالبشرة على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع تصاعد تاثير هذه المنصات، برزت ظاهرة مقلقة تلفت انتباه الاطباء والاهل، اذ لم يعد انجذاب الاطفال لمستحضرات التجميل بدافع الفضول العابر او تقليد الكبار وحسب، بل تحول لدى بعضهم الى روتين يومي متشعب ومكلف، يتضمن احيانا منتجات صممت اساسا للبالغين.
واكد اطباء واختصاصيون ان هذه الظاهرة تتطلب الانتباه والمتابعة، لما لها من اثار سلبية محتملة على صحة الاطفال النفسية والجسدية.
ما هي ظاهرة كوزموتريكس لدى الاطفال؟
تشير ظاهرة كوزموتريكس او هوس التجميل الى الاستخدام المفرط او غير المناسب للعمر لمستحضرات العناية بالبشرة بين الاطفال والمراهقين، مع ارتباط ذلك بالشعور بالقلق عند عدم الالتزام بالروتين اليومي او الاعتماد عليه لتحسين المزاج والثقة بالنفس.
ورغم ان المصطلح ليس تشخيصا طبيا رسميا، فانه يعد مؤشرا على تغير مبكر في علاقة الاطفال بصورة الجسد ومعايير الجمال، وقد يعكس نمطا سلوكيا يحتاج الى المتابعة الطبية والنفسية.
واضاف الخبراء ان العلامات اللافتة لهذه الظاهرة تتمثل في الانفاق المتزايد على المنتجات والوقت الطويل المخصص للروتين والشعور بالاضطراب عند تعذر الالتزام به، بما يعزز الانشغال المفرط بالمظهر على حساب الجوانب الاخرى في حياة الطفل.
كيف وصلت مستحضرات التجميل الى ايدي الاطفال؟
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا رئيسيا في زيادة اهتمام الاطفال والمراهقين بروتينات العناية بالبشرة، اذ يتابعون مؤثرين ومؤثرات يعرضون روتينات يومية باستخدام منتجات مخصصة اساسا للبالغين، مثل السيروم ومضادات الشيخوخة والريتينول، وهذا الخطاب يعزز فكرة ان العناية بالبشرة ليست جزءا من النظافة فحسب، بل ركنا ضروريا للجمال والثقة بالنفس.
ونبهت تقارير حكومية وصحفية الى استخدام بعض الشركات لمؤثرين صغار للترويج لهذه المنتجات، مما دفع الجهات التنظيمية في دول مثل ايطاليا الى فتح تحقيقات في حملات تسويق يخشى ان تشجع الاطفال على الاستخدام المبكر وغير الملائم لمستحضرات التجميل.
وبين الباحثون ان ظاهرة سيفورا كيدز Sephora kids برزت بشكل لافت، حيث يعرض اطفال من جيل الفا روتينات متقدمة للعناية بالبشرة على تيك توك وانستغرام، وينفقون مصروفهم على مستحضرات التجميل بدلا من الالعاب، حتى اصبحت هذه المنتجات جزءا من هدايا اعياد الميلاد.
واظهرت دراسة حديثة اجريت عام 2025 في قسم الامراض الجلدية بكلية الطب بجامعة نورثويسترن عن التاثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة منصة تيك توك، في تشكيل اهتمام الاطفال والمراهقين بروتينات العناية بالبشرة.
وحللت الدراسة 100 فيديو يتابعها مستخدمون بين 7 و18 عاما، واظهرت ان هذه الروتينات غالبا ما تتضمن منتجات مكلفة، مع اهمال استخدام واقي الشمس، وقد تحتوي على مكونات غير مناسبة للبشرة الصغيرة، مسببة للتهيج والحساسية، وهو ما يثير مخاوف الاطباء من تاثير هذا المحتوى الرقمي على السلوكيات الصحية للعناية بالبشرة لدى الاطفال والمراهقين.
اضرار حقيقية لا يمكن تجاهلها
بشرة الاطفال حساسة بطبيعتها، والاستخدام المفرط او غير المراقب لبعض المنتجات الفعالة قد يضعف حاجز الجلد، فيسبب احمرارا وتقشرا وحكة وتحسسا، وقد يصل الامر الى التهاب الجلد وتغير لون البشرة وزيادة حساسيتها للضوء.
ويزداد القلق عند استخدام الاطفال منتجات تحتوي على مواد قوية مثل الريتينول واحماض الالفا هيدروكسي والسيروم المضاد للشيخوخة دون اشراف طبي، اذ صممت هذه التركيبات لبشرة البالغين، مما يعرض الاطفال لمخاطر صحية لا داعي لها.
واوضحت الدكتورة ايما ويدجوورث، استشارية الامراض الجلدية والمتحدثة باسم مؤسسة الجلد البريطانية، في حديثها لمجلة التايمز، ان الترويج لفكرة ان الاطفال بحاجة الى روتينات معقدة، يؤدي الى استخدام غير مبرر لمنتجات تسبب التهيج والاحمرار والتقشر، مؤكدة ان هذه المنتجات ليست العابا، بل تركيبات فعالة تتطلب اشرافا متخصصا.
وتعزز هذه المخاوف نتائج استطلاع شمل 1000 قارئة لمجلة جيرل توك للفتيات من سن 7 الى 11 عاما، اذ اظهرت ان 10% من الفتيات في عمر الثامنة يستخدمن كريمات العين، و26% من الفتيات تحت سن الثامنة يستخدمن منتجات العناية بالبشرة، وترتفع النسبة الى 74% بين الفتيات اللواتي يبلغن 11 عاما فاكثر، وتشير رئيسة تحرير المجلة، كلير نورمان، الى انها صدمت من مدى حضور مستحضرات العناية بالبشرة في حياة هؤلاء الفتيات الصغيرات.
تاثيرات نفسية تتجاوز سطح الجلد
لا تقتصر مخاطر هوس التجميل على البشرة فحسب، بل تمتد الى الصحة النفسية والاجتماعية للاطفال والمراهقين، فالتركيز المبكر على المظهر يعزز المقارنات المستمرة مع الاخرين ويزيد القلق المرتبط بالصورة الذاتية، مما يغذي شعورا مبكرا بعدم الرضا عن الشكل الطبيعي.
وقد يقود السعي الى بشرة مثالية الى علاقة غير صحية مع مفهوم الجمال، ويخلق قلقا طويل المدى مرتبطا بالمظهر والثقة بالنفس، كما يمكن ان تتحول روتينات العناية الى سلوك قهري هدفه تهدئة التوتر او تحسين المزاج، فتتجاوز حدود العادة الصحية البسيطة الى نمط يحتاج الى انتباه ومتابعة.
اين ينتهي الاهتمام الصحي ويبدا الهوس؟
بين المختصون انه ينبغي ان تقتصر العناية ببشرة الاطفال على الاساسيات المناسبة للعمر، مثل تنظيف الوجه بلطف واستخدام واقي الشمس عند الضرورة، مع تجنب المنتجات النشطة كالسيروم والريتينول قبل مرحلة المراهقة، ولا يعني ذلك منع الطفل من الاهتمام بمظهره تماما، بل توضيح الفرق بين العناية الصحية المتوازنة والانشغال المبالغ فيه بالمظهر.
واضافوا انه في هذه المرحلة العمرية، يكفي روتين بسيط يحمي البشرة ويعزز صحتها، اما الروتينات المعقدة والمتعددة الخطوات فغالبا ما تعكس ضغوطا اجتماعية وتاثيرا لمحتوى رقمي، اكثر مما تعبر عن حاجة طبية حقيقية.
كيف يمكن للاهل التعامل مع الظاهرة؟
يمكن للاهل اتخاذ خطوات عملية للحد من تاثير هوس التجميل على الاطفال، من اهمها:
-
توضيح الفرق بين النظافة والعناية المبالغ فيها
من الضروري شرح ان لكل عمر احتياجاته ومنتجاته المناسبة، وان الاطفال يحتاجون اساسا الى غسول لطيف وواقي شمس عند الحاجة، بينما تبقى المنتجات المتقدمة غير ضرورية في هذه المرحلة.
-
تقليل التعرض لمحتوى التجميل الرقمي
الحد من متابعة روتينات العناية بالبشرة على وسائل التواصل يساعد في تقليل المقارنة والضغط النفسي المرتبط بالمظهر، كما ان النقاش المفتوح مع الطفل حول الاعلانات والمؤثرين يساهم في تنمية وعيه النقدي تجاه المحتوى الرقمي.
-
تعزيز الثقة بالنفس بعيدا عن الشكل الخارجي
تشجيع الطفل على تطوير مهاراته واهتماماته وهواياته يقلل من ارتباط تقديره لذاته بمظهره فقط، ويفتح امامه مصادر اخرى للشعور بالانجاز والانتماء.
-
استشارة طبيب الجلدية عند الحاجة
عند ظهور اي مشكلات جلدية، ينبغي الاعتماد على التقييم الطبي بدلا من تجربة منتجات جديدة او اتباع نصائح عشوائية من الانترنت، حماية لبشرة الطفل ونفسيته في ان واحد.
في المحصلة، تعكس ظاهرة كوزموتريكس او هوس التجميل تحولا ثقافيا واضحا في علاقة الاجيال الجديدة بالجمال وصورة الجسد، ورغم ان الاهتمام بالمظهر جزء طبيعي من النمو، فان الحفاظ على توازنه يتطلب دورا مشتركا من الاسرة والمدرسة والمجتمع، حتى تبقى العناية بالبشرة سلوكا صحيا بسيطا، لا مصدرا لضغط مبكر على الاطفال.
